أحمد زكي صفوت
100
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
عظني ، قال : يا أمير المؤمنين : اتّق اللّه وحده لا شريك له ، واعلم أنك واقف غدا بين يدي اللّه ربّك ، ثم مصروف إلى إحدى منزلتين ، لا ثالثة لهما : جنة أو نار ، فبكى هارون حتى اخضلّت « 1 » لحيته ، فأقبل الفضل على ابن السماك ، فقال : سبحان اللّه ! وهل يتخالج أحدا شكّ في أن أمير المؤمنين مصروف إلى الجنة إن شاء اللّه ؟ لقيامه بحق اللّه ، وعدله في عباده ، وفضله ، فلم يحفل بذلك ابن السماك من قوله ، ولم يلتفت إليه وأقبل على أمير المؤمنين ، فقال : يا أمير المؤمنين إن هذا - يعنى الفضل بن الربيع - ليس واللّه معك ولا عندك في ذلك اليوم ، فاتق اللّه وانظر لنفسك ، فبكى هارون حتى أشفقنا عليه ، وأفحم الفضل بن الربيع ، فلم ينطق بحرف حتى خرجنا . قال : ودخل ابن السماك على الرشيد يوما ، فبينا هو عنده إذ استسقى ماء ، فأتى بقلّة من ماء ، فلما أهوى بها إلى فيه ليشربها ، قال له ابن السماك : على رسلك « 2 » يا أمير المؤمنين : بقرابتك من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، لو منعت هذه الشّربة ، بكم كنت تشتريها ؟ قال : بنصف ملكي ، قال : اشرب هنّأك اللّه ، فلما شربها ، قال له : أسألك بقرابتك من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، لو منعت خروجها من بدنك ، بما ذا كنت تشتريها ، قال : بجميع ملكي ، قال ابن السماك : إن ملكا قيمته شربة ماء لجدير ألّا ينافس فيه ، فبكى هارون ، فأشار الفضل بن الربيع إلى ابن السماك بالانصراف فانصرف . ( تاريخ الطبري 10 : 119 ، وشرح ابن أبي الحديد م 1 : ص 149 )
--> ( 1 ) ابتلت . ( 2 ) الرسل : التؤدة .