أحمد زكي صفوت
51
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
وتكلم جماعة أصحابه بكلام يشبه بعضه بعضا في وجه واحد ، فقالوا : « واللّه لا نفارقك ولكن أنفسنا لك الفداء ، نقيك بنحورنا وجباهنا وأيدينا ، فإذا نحن قتلنا كنّا وفينا ، وقضينا ما علينا » . 38 - خطبته غداة يوم قتله وخطب الحسين غداة اليوم الذي استشهد فيه فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال : « يا عباد اللّه ، اتقوا اللّه ، وكونوا من الدنيا على حذر ، فإن الدنيا لو بقيت على أحد ، أو بقي عليها أحد ، لكانت الأنبياء أحقّ بالبقاء ، وأولى بالرضاء ، وأرضى بالقضاء ، غير أن اللّه تعالى خلق الدنيا للفناء ، فجديدها بال ، ونعيمها مضمحلّ ، وسرورها مكفهرّ ، والمنزل تلعة « 1 » ، والدار قلعة « 2 » ، فتزوّدوا فإنّ خير الزّاد التّقوى ، واتّقوا اللّه لعلّكم تفلحون » . 39 - دعاؤه وقد صبحته الخيل ولما صبّحته الخيل رفع يديه فقال : « اللهم أنت ثقتي في كل كرب ، ورجائي في كل شدّة ، وأنت لي في كل أمر نزل بي ثقة وعدّة ، كم من همّ يضعف فيه الفؤاد ، وتقلّ فيه الحيلة ، ويخذل فيه الصديق ، ويشمت فيه العدوّ ، أنزلته بك ، وشكوته إليك ، رغبة منى إليك عمن سواك ، ففرّجته وكشفته ، فأنت ولىّ كلّ نعمة ، وصاحب كلّ حسنة ، ومنتهى كل رغبة » .
--> ( 1 ) التلعة : مجرى الماء من أعلى الوادي إلى بطون الأرض ، والنزول بالتلعة مخوف ، لأن من نزلها فهو على خطر إن جاء السيل جرفه . ( 2 ) الدنيا دار قلعة : أي انقلاع ، وهو على قلعة أي رحلة ، ومنزلنا منزل قلعة أي ليس بمستوطن ، أو لا نملكه أو لا ندري متى نتحول عنه .