أحمد زكي صفوت

23

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

بهما كافر ، تراها ضلالة وتعبد اللّات والعزّى « 1 » غواية ، وأنشدكم اللّه هل تعلمون أنه بايع البيعتين كلتيهما بيعة الفتح « 2 » وبيعة الرّضوان « 3 » ، وأنت يا معاوية بإحداهما كافر ، وبالأخرى ناكث ، وأنشدكم اللّه هل تعلمون أنه أوّل الناس إيمانا ، وأنك يا معاوية وأباك من المؤلّفة قلوبهم ، تسرّون الكفر وتظهرون الإسلام ، وتستمالون بالأموال ، وأنشدكم اللّه ألستم تعلمون أنه كان صاحب راية رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله يوم بدر ، وأن راية المشركين كانت مع معاوية ومع أبيه ؟ ثم لقيكم يوم أحد ويوم الأحزاب ومعه راية رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله ، ومعك ومع أبيك راية الشرك ، وفي كل ذلك يفتح اللّه له ، ويفلج « 4 » حجته ، وينصر دعوته ، ويصدق حديثه ، ورسول اللّه صلى اللّه عليه وآله في تلك المواطن كلها عنه راض ، وعليك وعلى أبيك ساخط ؛ وأنشدك اللّه يا معاوية أتذكر يوما جاء أبوك على جمل أحمر ، وأنت تسوقه ، وأخوك عتبة هذا يقوده ، فرآكم رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله ، فقال : « اللهم العن الرّاكب والقائد والسائق » أتنسى يا معاوية الشعر الذي كتبته إلى أبيك - لما همّ أن يسلم - تنهاه عن ذلك : يا صخر لا تسلمن يوما فتفضحنا * بعد الذين ببدر أصبحوا مزقا « 5 » خالى وعمّى وعمّ الأمّ ثالثهم * وحنظل الخير قد أهدى لنا الأرقا « 6 »

--> ( 1 ) اللات : صنم ثقيف بالطائف ، والعزى : أكبر صنم لقريش ، وكان ببطن نخلة . ( 2 ) روى الطبري في تاريخه - بعد أن أورد خبر فتحه صلى اللّه عليه وسلم مكة سنة ثمان للهجرة ، وخطبته حين وقف على باب الكعبة - قال : « ثم اجتمع الناس بمكة لبيعة رسول اللّه على الإسلام فجلس لهم - فيما بلغني - على الصفا ، وعمر بن الخطاب تحت رسول اللّه أسفل من مجلسه يأخذ على الناس ، فبايع رسول اللّه على السمع والطاعة للّه ولرسوله فيما استطاعوا ، وكذلك كانت بيعته لمن بايع رسول اللّه من الناس على الإسلام ، فلما فرغ رسول اللّه من بيعة الرجال بايع النساء ، واجتمع إليه نساء من نساء قريش فيهن هند بنت عتبة « أم معاوية » . . . إلى آخر القصة - تاريخ الطبري 3 : 121 - وكان معاوية ممن أسلم بعد الفتح . ( 3 ) بيعة الرضوان كانت سنة ست هجرية في غزوة الحديبية حين دعا الرسول صلى اللّه عليه وسلم المسلمين للبيعة على القتال فبايعوه على الموت تحت شجرة هناك سميت بعد بشجرة الرضوان . ( 4 ) ينصر . ( 5 ) المزق : جمع مزقة بالكسر ، وهي القطعة من الثوب وغيره . ( 6 ) أي لشدة الحزن والأسى .