أحمد زكي صفوت
24
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
لا تركننّ إلى أمر تكلّفنا * والرّاقصات به في مكة الخرقا « 1 » فالموت أهون من قول العداة « لقد * حاد ابن حرب عن العزّى إذا فرقا » « 2 » واللّه لما أخفيت من أمرك ، أكبر مما أبديت ؛ وأنشدكم اللّه أيها الرّهط أتعلمون أن عليّا حرّم الشهوات على نفسه بين أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله ، فأنزل فيه : ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ ) . وأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله بعث أكابر أصحابه إلى بني قريظة ، فنزلوا من حصنهم فهزموا ، فبعث عليّا بالرّاية ؛ فاستنزلهم على حكم اللّه وحكم رسوله ، وفعل في خيبر مثلها ، ثم قال : يا معاوية أظنك لا تعلم أنى أعلم ما دعا به عليك رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله ، لما أراد أن يكتب كتابا إلى بنى جذيمة « 3 » فبعث إليك ونهمك « 4 » إلى أن تموت ، وأنتم أيها الرهط .
--> ( 1 ) الخرق محركة : ألا يحسن الرجل العمل والتصرف في الأمور ، والحمق . ( 2 ) فرق : فزع . ( 3 ) في الأصل « خزيمة » ، وهو تحريف ، وهم بنى جذيمة بن عامر بن عبد مناة بن كنانة ، وقد بعث إليهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خالد بن الوليد حين افتتح مكة داعيا ، ولم يبعثه مقاتلا ، فلما رآه القوم أخذوا السلاح ، فقال خالد : ضعوا السلاح ، فإن الناس قد أسلموا ، فلما وضعوه أمر بهم خالد عند ذلك فكتفوا ، ثم عرضهم على السيف فقتل من قتل منهم - وكان بنو جذيمة قد أصابوا في الجاهلية عوف بن عبد عوف أبا عبد الرحمن بن عوف ، والفاكه بن المغيرة عم خالد ، وكانا أقبلا تاجرين من اليمن حتى إذا نزلا بهم قتلوهما وأخذوا أموالهما - فلما انتهى الخبر إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رفع يديه إلى السماء ثم قال : اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد ، ثم دعا علي بن أبي طالب ، فقال : يا علي اخرج إلى هؤلاء القوم فانظر في أمرهم ، واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك ، فخرج على حتى جاءهم ومعه مال قد بعثه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم به فودى لهم الدماء ، وما أصيب من الأموال ، حتى إنه ليدى ميلغة الكلب ، ( والميلغة بالكسر : الإناء يلغ فيه الكلب ) حتى إذا لم يبق شيء من دم أو مال إلا وداه بقيت معه بقية من المال . قال لهم : هل بقي لكم دم أو مال لم يود إليكم ؟ قالوا لا ، قال : فإني أعطيكم هذه البقية من هذا المال احتياطا لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مما لا يعلم ولا تعلمون ففعل ، ثم رجع إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأخبره الخبر ، فقال أصبت وأحسنت ، ثم استقبل القبلة قائما شاهرا يديه ، وهو يقول : اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد ابن الوليد ، ثلاث مرات . ( 4 ) الذي في كتب اللغة : « نهمه : زجره ، وحذفه بالحصى وغيره » ومراده هنا أنه دعا عليه بالنهم وعدم الشبع ، وقد تقدم الكلام عليه .