أحمد زكي صفوت

92

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

هالتنى وفظعت بها ، فأخبرني بها ، فإنك إن أصبتها أصبت تأويلها . قال : أفعل « رأيت حممة « 1 » ، خرجت من ظلمة « 2 » ، فوقعت بأرض تهمة « 3 » ، فأكلت منها كلّ ذات جمجمة « 4 » » ، فقال له الملك : ما أخطأت منها شيئا يا سطيح ، فما عندك في تأويلها ؟ فقال : « أحلف بما بين الحرّتين « 5 » من حنش ، ليهبطنّ أرضكم الحبش ، فليملكنّ ما بين أبين « 6 » إلى جرش « 7 » » فقال له الملك : وأبيك يا سطيح . إن هذا لنا لغائظ موجع ، فمتى هو كائن ، أفي زماني هذا أم بعده ؟ قال : « لا ، بل بعده بحين ، أكثر من ستين أو سبعين ، يمضين من السنين » قال : أفيدوم ذلك من ملكهم أم ينقطع ؟ قال : « لا ، بل ينقطع لبضع وسبعين من السنين ، ثم يقتلون بها أجمعين ، ويخرجون منها هاربين » قال : ومن يلي ذلك من قتلهم وإخراجهم ؟ قال : « يليه إرم « 8 » ذي يزن ، يخرج عليهم من عدن ، فلا يترك أحدا منهم باليمن » قال : أفيدوم ذلك من سلطانه أم ينقطع ؟ قال : « بل ينقطع » قال : ومن يقطعه ؟ قال « نبي زكىّ ، يأتيه الوحي من قبل العلىّ » قال : وممن هذا النبي ؟ قال : « رجل من ولد غالب بن فهر ، بن مالك ابن النّضر ، يكون الملك في قومه إلى آخر الدهر » قال : وهل للدهر من آخر ؟ قال :

--> ( 1 ) الحممة وتجمع على حمم : الفحمة والرماد وكل ما احترق من النار ، وتطلق الحممة على الجمر مجازا باعتبار ما يؤول إليه وهو المراد هنا . ( 2 ) الظلمة : الظلام ، وسترى في تعبير الرؤيا أنها إشارة إلى الأحباش السود . ( 3 ) التهمة بالتحريك : الأرض المتصوبة إلى البحر ، كالتهم محركة أيضا كأنهما مصدران من تهامة ، لأن التهائم متصوبة إلى البحر ويقال أيضا : أرض تهمة كفرحة أي شديدة الحر ، من التهم بالتحريك وهو شدة الحر وفي ابن الأثير « بهمة » بالباء يقال : أرض بهمة كفرحة أي كثيرة البهمى ، والبهمى بالضم اسم نبت ، والضبط الأول عندي أرجح . ( 4 ) أي كل نفس . ( 5 ) الحرة : أرض ذات حجارة سود نخرة ، ( 6 ) مخلاف باليمن منه مدينة عدن . ( 7 ) مخلاف باليمن من جهة مكة . ( 8 ) الإرم كعنب وكتف : العلم ( بالتحريك ) أو خاص بعاد ، والعلم سيد القوم ، أي يتولاه سيد بنى ذي يزن ، وهو سيف بن ذي يزن .