أحمد زكي صفوت
89
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
بالشّعر المؤلف ، ولا السجع المتكلف » فأصغيت فزجرت ، فعاودت فظلفت « 1 » ، فقلت : بم تهينمون « 2 » ، وإلام تعتزون « 3 » ؟ قالوا : « خطاب كبّار « 4 » ، جاء من عند الملك الجبّار ، فاسمع يا شصار ، عن أصدق الأخبار ، واسلك أوضح الآثار ، تنج من أوار « 5 » النار » ، فقلت : وما هذا الكلام ؟ فقالوا : « فرقان بيّن الكفر والإيمان ، رسول من مصر ، من أهل المدر ، ابتعث فظهر ، فجاء بقول قد بهر ، وأوضح نهجا قد دثر ، فيه مواعظ لمن اعتبر ، ومعاذ لمن ازدجر ، ألّف بالآى الكبر » قلت : ومن هذا المبعوث من مضر ؟ قال : « أحمد خير البشر ، فإن آمنت أعطيت الشّبر « 6 » ، وإن خالفت أصليت سقر ، فآمنت يا خنافر ، وأقبلت إليك أبادر ، فجانب كل كافر ، وشايع كل مؤمن طاهر ، وإلّا فهو الفراق ، لا عن تلاق » ، قلت : من أين أبغى هذا الدين ؟ قال : من ذات الإحرّين « 7 » والنّفر اليمانين ، أهل الماء والطين ، قلت : أوضح ، قال : « الحق بيثرب ذات النّخل ، والحرّة ذات النّعل « 8 » ، فهناك أهل الطّول والفضل ، والمواساة والبذل ، ثم امّلس « 9 » عنى ، فبتّ مذعورا أراعى الصباح ، فلما برق لي النور ، امتطيت راحلتي ، وآذنت « 10 » أعبدى ، واحتملت بأهلي ، حتى وردت الجوف ، فرددت الإبل على أربابها ، بحولها وسقابها « 11 » ، وأقبلت أريد صنعاء ، فأصبت بها معاذ بن جبل أميرا لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فبايعته على الإسلام ، وعلّمنى سورا من القرآن ، فمنّ اللّه علىّ بالهدى بعد الضلالة ، والعلم بعد الجهالة » . ( الأمالي 1 : 133 )
--> ( 1 ) منعت . ( 2 ) الهينمة : الصوت الخفي . ( 3 ) تنتسبون . ( 4 ) كبير . ( 5 ) الأوار : حر النار . ( 6 ) الشبر بالسكون : الخير وحرك للسجع . ( 7 ) الحرة ( بالفتح ) أرض ذات حجارة نخرة سود وتجمع على حرات وحرار وحرين وأحرين . ( 8 ) النعل : المكان الغليظ من الحرة . ( 9 ) أفلت . ( 10 ) أعلمت . ( 11 ) الحول جمع حائل وهي الأنثى من أولاد الإبل ، والسقاب جمع سقب كشمس وهو الذكر .