أحمد زكي صفوت

55

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

بما حضره ، ليعلم أن العرب على غير ما ظنّ ، أو حدّثته نفسه ، ولا ينطق رجل منكم بما يغضبه ، فإنه ملك عظيم السلطان ، كثير الأعوان ، مترف ، معجب بنفسه ، ولا تنخزلوا « 1 » له انخزال الخاضع الذليل ، وليكن أمر بين ذلك ، تظهر به وثاقة حلومكم ، وفضل منزلتكم ، وعظيم أخطاركم ، وليكن أوّل من يبدأ منكم بالكلام أكثم ابن صيفي ، ثمّ تتابعوا على الأمر من منازلكم التي وضعتكم بها ، فإنما دعاني إلى التقدمة إليكم ، علمي بميل كلّ رجل منكم إلى التقدم قبل صاحبه ، فلا يكوننّ ذلك منكم ، فيجد في آدابكم مطعنا ، فإنه ملك مترف ، وقادر مسلّط ، ثم دعا لهم بما في خزائنه من طرائف حلل الملوك ، كل رجل منهم حلة وعمّمه عمامة ، وختّمه بياقوتة ، وأمر لكلّ رجل منهم بنجيبة مهرية « 2 » وفرس نجيبة ، وكتب معهم كتابا : « أما بعد : فإن الملك ألقى إلىّ من أمر العرب ما قد علم ، وأجبته بما قد فهم ، مما أحببت أن يكون منه على علم ، ولا يتلجلج في نفسه أن أمة من الأمم التي احتجزت دونه بمملكتها ، وحمت ما يليها بفضل قوّتها ، تبلغها في شيء من الأمور ، التي يتعزّز بها ذوو الحزم والقوّة والتدبير والمكيدة ، وقد أوفدت أيها الملك رهطا من العرب لهم فضل في أحسابهم وأنسابهم وعقولهم وآدابهم ، فليسمع الملك ، وليغمض عن جفاء إن ظهر من منطقهم ، وليكرمنى بإكرامهم ، وتعجيل سراحهم ، وقد نسبتهم في أسفل كتابي هذا إلى عشائرهم » . فخرج القوم في أهبتهم حتى وقفوا بباب كسرى بالمدائن ، فدفعوا إليه كتاب النعمان فقرأه ، وأمر بإنزالهم إلى أن يجلس لهم مجلسا يسمع منهم ، فلما أن كان بعد ذلك بأيام ، أمر مرازبته « 3 » ووجوه أهل مملكته ، فحضروا وجلسوا على كراسي ، عن يمينه

--> ( 1 ) الانخزال : مشية في تثاقل . ( 2 ) النجيب : البعير والفرس إذا كانا كريمين عتيقين ، والمهرية : نسبة إلى مهرة بن حيدان ، حي تنسب إليه الإبل النجيبة . ( 3 ) جمع مرزبان ، بفتح الميم وضم الزاي ؛ هو الرئيس من الفرس .