أحمد زكي صفوت
52
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
وأما أنسابها وأحسابها ، فليست أمة من الأمم إلا وقد جهلت آباءها وأصولها وكثيرا من أولها ، حتى إن أحدهم ليسأل عمن وراء أبيه دنيا « 1 » ، فلا ينسبه ولا يعرفه ، وليس أحد من العرب إلا يسمى آباءه أبا فأبا ، حاطوا بذلك أحسابهم ، وحفظوا به أنسابهم ، فلا يدخل رجل في غير قومه ، ولا ينتسب إلى غير نسبه ، ولا يدعى إلى غير أبيه . وأما سخاؤها ، فإن أدناهم رجلا ، الذي تكون عنده البكرة والنّاب « 2 » ، عليها بلاغة « 3 » في حموله « 4 » وشبعه وريّه ، فيطرقه الطارق ، الذي يكتفى بالفلذة « 5 » ، ويجتزى بالشّربة ، فيعقرها له ، ويرضى أن يخرج عن دنياه كلها فيما يكسبه حسن الأحدوثة وطيب الذكر . وأما حكمة ألسنتهم ، فإن اللّه تعالى أعطاهم في أشعارهم ورونق كلامهم ، وحسنه ووزنه وقوافيه ، مع معرفتهم الأشياء . وضربهم للأمثال ، وإبلاغهم في الصفات . ما ليس لشيء من ألسنة الأجناس ثم خيلهم أفضل الخيل ، ونساؤهم أعفّ النساء ، ولباسهم أفضل اللباس ، ومعادنهم الذهب والفضة ، وحجارة جبالهم الجزع « 6 » . ومطاياهم التي لا يبلغ على مثلها سفر . ولا يقطع بمثلها بلد قفر . وأما دينها وشريعتها ، فإنهم متمسكون به ، حتى يبلغ أحدهم من نسكه بدينه أن لهم أشهرا حرما ، وبلدا محرّما ، وبيتا محجوجا ، ينسكون فيه مناسكهم ، ويذبحون فيه ذبائحهم ، فيلقى الرجل قاتل أبيه أو أخيه ، وهو قادر على أخذ ثاره . وإدراك رغمه « 7 » منه . فيحجزه كرمه ، ويمنعه دينه عن تناوله بأذى .
--> ( 1 ) هو ابن عمى دنيا بضم الدال وكسرها مع التنوين ، وبكسرها بلا تنوين : أي لحمّا . ( 2 ) الناقة المسنة . ( 3 ) البلاغ : الكفاية . ( 4 ) الحمول والأحمال جمع حمل . ( 5 ) القطعة من الشئ . ( 6 ) الجزع ويكسر : الخرز اليماني الصيني فيه سواد وبياض ، تشبه به العيون . ( 7 ) الذل .