أحمد زكي صفوت

53

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

وأما وفاؤها ، فإن أحدهم يلحظ اللحظة ، ويومئ الإيماءة ، فهي ولث « 1 » وعقدة ، لا يحلّها إلا خروج نفسه ، وإن أحدهم يرفع عودا من الأرض فيكون رهنا بدينه ، فلا يغلق « 2 » رهنه ، ولا تخفر « 3 » ذمته ، وإن أحدهم ليبلغه أن رجلا استجار به وعسى أن يكون نائيا عن داره ، فيصاب ، فلا يرضى حتى يفنى تلك القبيلة التي أصابته ، أو تفنى قبيلته ، لما أخفر من جواره ، وإنه ليلجأ إليهم المجرم المحدث ، من غير معرفة ولا قرابة ، فتكون أنفسهم دون نفسه ، وأموالهم دون ماله . وأما قولك أيها الملك يئدون أولادهم ، فإنما يفعله من يفعله منهم بالإناث أنفة من العار ، وغيرة من الأزواج . وأما قولك إن أفضل طعامهم لحوم الإبل - على ما وصفت منها - فما تركوا ما دونها إلا احتقارا لها ، فعمدوا إلى أجلها وأفضلها ، فكانت مراكبهم وطعامهم ، مع أنها أكثر البهائم شحوما ، وأطيبها لحوما ، وأرقّها ألبانا ، وأقلها غائلة « 4 » ، وأحلاها مضغة ، وإنه لا شيء من اللّحمان يعالج ما يعالج به لحمها إلا استبان فضلها عليه . وأما تحاربهم وأكل بعضهم بعضا ، وتركهم الانقياد لرجل يسوسهم ويجمعهم ، فإنما يفعل ذلك من يفعله من الأمم إذا أنست من نفسها ضعفا ، وتخوفت نهوض عدوّها إليها بالزحف ، وإنه إنما يكون في المملكة العظيمة أهل بيت واحد ، يعرف فضلهم على سائر غيرهم ، فيلقون إليهم أمورهم ، وينقادون لهم بأزمتهم ، وأما العرب فإن ذلك كثير فيهم ، حتى لقد حاولوا أن يكونوا ملوكا أجمعين ، مع أنفتهم من أداء الخراج والوطث « 5 » بالعسف .

--> ( 1 ) عهد . ( 2 ) غلق الرهن : استحقه المرتهن ، وذلك إذا لم يفتك في الوقت المشروط . ( 3 ) خفر به وأخفره : نقض عهده وغدره . ( 4 ) شرا . ( 5 ) الوطث : الضرب الشديد بالرجل على الأرض .