أحمد زكي صفوت

437

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

« أليس من العجب أن ينصرني الأزد « 1 » ، وتخذلني مضر ؟ وأعجب من ذلك تقاعد تميم الكوفة بي ، وخلاف تميم البصرة علىّ ، وأن أستنجد بطائفة منها تشخص إلى إخوانها فتدعوهم إلى الرّشاد ، فإن أجابت وإلّا فالمنابذة والحرب ، فكأني أخاطب صمّا بكما ، لا يفقهون حوارا ، ولا يجيبون نداء ، كل هذا جبنا عن البأس ، وحبّا للحياة ، لقد كنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله نقتل آباءنا وأبناءنا ، وإخواننا وأعمامنا « 2 » ، ما يزيدنا ذلك إلّا إيمانا وتسليما ، ومضيّا على اللّقم « 3 » ، وصبرا على مضض الألم ، وجدّا في جهاد العدوّ ، ولقد كان الرجل منا والآخر من عدونا يتصاولان « 4 » تصاول الفحلين يتخالسان « 5 » أنفسهما ، أيّهما يسقى صاحبه كأس المنون ، فمرّة لنا من عدونا ، ومرّة لعدونا منا ، فلما رأى اللّه صدقنا أنزل بعدونا الكبت « 6 » ، وأنزل علينا النّصر ، حتى استقرّ الإسلام ملقيا جرانه « 7 » ، ومتبوّئا أوطانه ، ولعمري لو كنا نأتى ما أتيتم ، ما قام للدين عمود ، ولا اخضرّ للإيمان عود ، وأيم اللّه لتحتلبنّها دما « 8 » ، ولتتبعنّها ندما » . فقام إليه أعين بن ضبيعة المجاشعىّ « 9 » فقال : « أنا إن شاء اللّه أكفيك يا أمير المؤمنين هذا الخطب ، وأتكفل لك بقتل ابن الحضرمي ، أو إخراجه عن البصرة » فأمره بالتهيؤ للشخوص ، فشخص إلى البصرة .

--> ( 1 ) هم من العرب اليمانين . ( 2 ) قتلهم الأقارب في ذات اللّه كثير ، قتل علي عليه السلام الجم الغفير من بنى عبد مناف وبنى عبد الدار في يوم بدر وأحد وهم عشيرته وبنو عمه ، وقتل عمر بن الخطاب يوم بدر خاله العاص بن هاشم بن المغيرة ، وقتل حمزة بن عبد المطلب شيبة بن ربيعة يوم بدر وهو ابن عمه ، ومثل ذلك كثير مذكور في كتب السيرة . ( 3 ) لقم الطريق : الجادة الواضحة منها . ( 4 ) التصاول : أن يصول كل من القرنين على صاحبه . ( 5 ) التخالس : التسالب ، أي يبغى كل أن يسلب روح الآخر . ( 6 ) الإذلال . ( 7 ) جران البعير : مقدم عنقه ، وهو كناية عن التمكن كالبعير يلقى جرانه على الأرض . ( 8 ) يقال لمن أسرف في الأمر : لتحتلبن دما ، وأصلها الناقة يفرط في حلبها فيحلب الحالب الدم . ( 9 ) مجاشع بن دارم : أبو قبيلة من تميم ، وأعين بن ضبيعة ، هو الذي عقر الجمل الذي كانت عليه عائشة يوم الجمل .