أحمد زكي صفوت
405
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) . أما كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يعلم أنه لا يؤتى بكتاب هو أهدى مما في يديه ؟ قال : بلى ، قال : فلم أعطى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم القوم ما أعطاهم ؟ قال : إنصافا وحجة ، قال : فإني أعطيت القوم ما أعطاهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، قال ابن الكواء : فإني أخطأت . هذه واحدة . زدني ، قال علىّ : فما أعظم ما نقمتم علىّ ؟ قال : تحكيم الحكمين ، نظرنا في أمرنا ، فوجدنا تحكيمهما شكا وتبذيرا ، قال علىّ : فمتى سمّى أبو موسى حكما ، حين أرسل ، أو حين حكم ؟ قال : حين أرسل ، قال : أليس قد سار وهو مسلم ، وأنت ترجو أن يحكم بما أنزل اللّه ؟ قال : نعم ، قال علىّ : فلا أرى الضلال في إرساله ، فقال ابن الكواء ، سمّى حكما حين حكم ، قال : نعم إذن فإرساله كان عدلا ، أرأيت يا بن الكواء لو أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعث مؤمنا إلى قوم مشركين يدعوهم إلى كتاب اللّه ، فارتدّ على عقبه كافرا ، كان يضرّ نبىّ اللّه شيئا ؟ قال : لا ، قال على : فما كان ذنبي إن كان أبو موسى ضلّ ، هل رضيت حكومته حين حكم ، أو قوله إذ قال ؟ قال ابن الكواء : لا ، ولكنك جعلت مسلما وكافرا يحكمان في كتاب اللّه ، قال علىّ : ويلك يا ابن الكواء ! هل بعث عمرا غير معاوية ؟ وكيف أحكّمه وحكمه على ضرب عنقي ، إنّما رضى به صاحبه ، كما رضيت أنت بصاحبك ، وقد يجتمع المؤمن والكافر يحكمان في أمر اللّه ، أرأيت لو أن رجلا مؤمنا تزوج يهودية أو نصرانية ، فخافا شقاق بينهما ، ففزع الناس إلى كتاب اللّه ، وفي كتابه : ( فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ ، وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها ) فجاء رجل من اليهود ، أو رجل من النصارى ، ورجل من المسلمين ، اللذين يجوز لهما أن يحكما في كتاب اللّه فحكما . قال ابن الكواء : وهذه أيضا ، أمهلنا حتى ننظر ، فانصرف عنهم علىّ . فقال له صعصعة بن صوحان : يا أمير المؤمنين ، ائذن لي في كلام القوم ، قال : نعم ما لم تبسط يدا ، فنادى صعصعة ابن الكواء ، فخرج إليه فقال : أنشدكم اللّه يا معشر