أحمد زكي صفوت

378

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

صلى اللّه عليه وسلم ، وإن أهل الشأم دعونا إلى كتاب اللّه اضطرارا ، فأجبناهم إليه إعذارا ، فلسنا والقوم سواء ، إنا واللّه ما عدلنا الحي بالحي ، ولا القتيل بالقتيل ، ولا الشامي بالعراقي ، ولا معاوية بعلىّ ، وإنه لأمر منعه غير نافع ، وإعطاؤه غير ضائر ، وقد كلّت البصائر التي كنا نقاتل بها ، وقد حمل الشّكّ اليقين الذي كنا نئول إليه ، وذهب الحياء الذي كنا نمارى به ، فاستظلوا في هذا الفئ « 1 » ، واسكنوا في هذه العافية ، فإن قلتم نقاتل على ما كنا نقاتل عليه أمس ، فهيهات هيهات ذهب واللّه قياس أمس وجاء غد » .

--> - فجعل ينثره بتلبيبه ويجره ليرده إلى قريش ، وجعل أبو جندل يصرخ بأعلى صوته : يا معشر المسلمين أأرد إلى المشركين يفتنونى في ديني ؟ فزاد الناس إلى ما بهم ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : يا أبا جندل اصبر واحتسب فإن اللّه جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا ، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحا ، وأعطيناهم على ذلك وأعطونا عهد اللّه وإنا لا نغدر بهم ، ووثب عمر بن الخطاب مع أبي جندل يمشى إلى جنبه ويقول : اصبر يا أبا جندل فإنما هم المشركون . وإنما دم أحدهم دم كلب . ويدنى قائم السيف منه . قال عمر : رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه فضن الرجل بأبيه ونفذت القضية . فلما قدم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المدينة أتاه أبو بصير عتبة بن أسيد وكان ممن حبس بمكة ، فبعثت قريش في أثره رجلين يطلبان تسليمه ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : يا أبا بصير إنا قد أعطينا القوم ما قد علمت ، ولا يصلح لنا في ديننا الغدر ، وإن اللّه جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا . فانطلق إلى قومك . قال : يا رسول اللّه أتردني إلى المشركين يفتنوننى في ديني ؟ قال : يا أبا بصير انطلق ، فانطلق معهما حتى إذا كان في بعض الطريق عدا على أحدهما فقتله وهرب الآخر ، ورجع أبو بصير إلى المدينة ، فقال : يا رسول اللّه وفت ذمتك ، وأدى اللّه عنك ، أسلمتنى ورددتني إليهم ثم أنجاني اللّه منهم ، وخرج أبو بصير إلى ساحل البحر بطريق قريش التي كانوا يأخذون عليها إلى الشام ، وخرج المسلمون الذين كانوا حبسوا بمكة إليه ، وانفلت إليه أبو جندل بن سهيل ، فاجتمع إليه قريب من سبعين رجلا منهم وضيقوا على قريش ، لا يظفرون بأحد منهم إلا قتلوه ، ولا تمر بهم عير إلا اقتطعوها ، حتى كتبت قريش إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تسأله بأرحامها إلا آواهم ، فلا حاجة لهم بهم ، فآواهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقدموا عليه المدينة . ( 1 ) الفئ : ما كان شمسا فينسخه الظل .