أحمد زكي صفوت

366

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

255 - ما خاطب به النعمان بن بشير قيس بن سعد في وقعة صفين وقف النعمان بن بشير الأنصاري بين الصّفّين بصفّين فقال : « يا قيس بن سعد ، أما أنصفكم من دعاكم إلى ما رضى لنفسه ؟ إنكم يا معشر الأنصار ، أخطأتم في خذل عثمان يوم الدار ، وقتلكم أنصاره يوم الجمل ، وإقحامكم « 1 » على أهل الشأم بصفين ، فلو كنتم إذ خذلتم عثمان خذلتم عليّا ، كان هذا بهذا ، ولكنكم خذلتم حقّا ، ونصرتم باطلا ، ثم لم ترضوا أن تكونوا كالناس ، شعلتم « 2 » الحرب ، ودعوتم إلى البراز ، فقد واللّه وجدتم رجال الحرب من أهل الشأم سراعا إلى برازكم ، غير أنكاس « 3 » عن حربكم ؛ ثم لم ينزل بعلى أمر قطّ إلا هوّنتم عليه المصيبة ، ووعدتموه الظفر ، وقد واللّه أخلفتموه ، وهان علينا بأسكم ، وما كنتم لتخلوا به أنفسكم من شدتكم في الحرب ، وقدرتكم على عدوّكم ، وقد أصبحتم أذلّاء على أهل الشأم ، لا يرون حربكم شيئا ، وأنتم أكثر منهم عددا ومددا ، وقد واللّه كاثروكم بالقلّة ، فكيف لو كانوا مثلكم في الكثرة ، واللّه لا تزالون أذلاء في الحرب بعدها أبدا ، إلا أن يكون معكم أهل الشأم ، وقد أخذت الحرب منا ومنكم ما قد رأيتم ، ونحن أحسن بقية ، وأقرب إلى الظفر ، فاتقوا اللّه في البقية » فضحك قيس وقال :

--> ( 1 ) قحم في الأمر : رمى بنفسه فيه من غير روية ، وأقحمت الفرس النهر : أدخلته فيه فانقحم واقتحم . ( 2 ) شعل النار ، وأشعلها : ألهبها . ( 3 ) أنكاس : جمع نكس ( بالكسر ) ، وهو الضعيف المقصر .