أحمد زكي صفوت
351
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
إن اللّه تعالى بعث أنبياء ورسلا ، فجعلهم حججا على عباده عذرا ونذرا « 1 » ، لا يطاع إلا بعلمه وإذنه ، يمنّ بالطاعة على من يشاء من عباده ، ثم يثيب عليها ، ويعصى بعلم منه ، فيعفو ويغفر بحلمه ، لا يقدر قدره ، ولا يبلغ شيء مكانه ، أحصى كل شيء عددا ، وأحاط بكل شيء علما ، وأشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، إمام الهدى والنبي المصطفى . وقد ساقنا قدر اللّه إلى ما ترون ، حتّى كان مما اضطرب من حبل هذه الأمة ، وانتشر من أمرها ، أنّ معاوية بن أبي سفيان وجد من طغام الناس أعوانا على ابن عمّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وصهره ، وأوّل ذكر صلّى معه ، بدرىّ « 2 » قد شهد مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله كلّ مشاهده التي فيها الفضل ، ومعاوية مشرك كان يعبد الأصنام ، والذي ملك الملك وحده ، وبان به وكان أهله ، لقد قاتل علي بن أبي طالب عليه السلام مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو يقول : صدق اللّه ورسوله ، ومعاوية يقول : كذب اللّه ورسوله : فعليكم بتقوى اللّه ، والجدّ والحزم والصبر ، واللّه إنا لنعلم إنكم لعلى حق ، وإن القوم لعلى باطل ، فلا يكوننّ أولى بالجدّ على باطلهم منكم في حقكم ، وإنا لنعلم أن اللّه سيعذبهم بأيديكم أو بأيدي غيركم ، اللهم أعنّا ولا تخذلنا ، وانصرنا على عدونا ، ولا تحل عنا ، وافتح بيننا وبين قومنا بالحق ، وأنت خير الفاتحين » . ( شرح ابن أبي الحديد م 1 : ص 504 )
--> ( 1 ) هما مصدران : عذره يعذره عذرا بضم فسكون وبضمّين وأنذره إنذارا ونذرا بضم فسكون وبضمتين : أو جمعان : العذر بضمتين جمع عذير وهو العاذر ، والنذر بضمتين جمع نذير وهو المنذر . ( 2 ) أي حضر غزوة بدر الكبرى التي نشبت بين رسول اللّه عليه الصلاة والسلام وبين مشركي قريش في السنة الثانية للهجرة .