أحمد زكي صفوت
33
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
فقدّمت مالي ، وكنت أملى ، فإن تحملها فرب حق قد قضيته ، وهمّ قد كفيته ، وإن حال دون ذلك حائل لم أذمم يومك ، ولم أيأس من غدك . ثم أنشأ يقول : حملت دماء للبراجم جمّة * فجئتك لما أسلمتنى البراجم « 1 » وقالوا ( سفاها ) لم حملت دماءنا * فقلت لهم يكفى الحمالة حاتم « 2 » متى آته فيها يقل لي مرحبا * وأهلا وسهلا أخطأتك الأشائم « 3 » فيحملها عنى ، وإن شئت زادنى * زيادة من حنّت إليه المكارم يعيش النّدى ما عاش حاتم طيئ * فإن مات قامت للسخاء مآتم ينادين مات الجود معك فلا نرى * مجيبا له ما حام في الجوّ حائم وقال رجال أنهب العام ماله * فقلت لهم إني بذلك عالم « 4 » ولكنه يعطى من أموال طيّئ * إذا جلّف المال الحقوق اللوازم « 5 » فيعطى التي فيها الغنى وكأنّه * لتصغيره تلك العطية جارم « 6 » بذلك أوصاه عدىّ وحشرج * وسعد وعبد اللّه تلك القماقم « 7 » فقال له حاتم : إن كنت لأحب أن يأتيني مثلك من قومك ، هذا مرباعى « 8 » من الغارة على بنى تميم ، فخذه وافرا ، فإن وفى بالحمالة ، وإلّا أكملتها لك ، وهو مائتا بعير سوى بنيها وفصالها ، مع أنى لا أحبّ أن تؤيس قومك بأموالهم ، فضحك أبو جبيل وقال : لكم ما أخذتم منا ، ولنا ما أخذنا منكم ، وأىّ بعير دفعته إلىّ ، ليس ذنبه في يد صاحبه ، فأنت منه بريء ، فدفعها إليه وزاده مائة بعير ، فأخذها وانصرف راجعا إلى قومه . فقال حاتم في ذلك :
--> ( 1 ) البراجم من تميم . ( 2 ) السفاه : السفه . والحمالة : الدية يحملها قوم عن قوم . ( 3 ) الأشائم : ضد الأيامن . ( 4 ) أنهب المال : جعله نهبا يغار عليه . ( 5 ) أي جرفه وانتقصه . ( 6 ) جرم الرجل ( بفتحتين ) : أذنب كأجرم . ( 7 ) جمع قمقام : وهو السيد . ( 8 ) المرباع : ربع الغنيمة ، وكان يختص به قائد الغارة وفارسها .