أحمد زكي صفوت
315
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
فقام رجل من بنى فزارة فقال له : أتريد أن تسير بنا إلى إخواننا من أهل الشأم نقتلهم كلّا ، كما سرت بنا إلى إخواننا من أهل البصرة فقتلتهم كلّا ؟ ها اللّه « 1 » إذن لا نفعل ذلك ، فقام الأشتر فقال : من هذا المارق ؟ فهرب الفزارىّ ، واشتد الناس على أثره ، فلحق في مكان من السوق ، تباع فيه البراذين « 2 » ، فوطئوه بأرجلهم ، وضربوه بأيديهم ونصال سيوفهم ، حتى قتل ، فأتى علىّ عليه السلام ، فقيل له : يا أمير المؤمنين قتل الرجل ، قال : ومن قتله ؟ قالوا : قتلته همدان ومعهم شوب « 3 » من الناس ، فقال : قتيل عمّيّة « 4 » لا يدرى من قتله ، ديته من بيت مال المسلمين ، فقام الأشتر فقال : 200 - خطبة الأشتر النخعي « يا أمير المؤمنين لا يهدّنّك ما رأيت ، ولا يولّينّك من نصرنا ما سمعت من مقالة هذا الشقي الخائن ، إن جميع من ترى من الناس شيعتك ، لا يرغبون بأنفسهم عن نفسك ، ولا يحبّون البقاء بعدك ، فإن شئت فسر بنا إلى عدوك ، فو اللّه ما ينجو من الموت من خافه ، ولا يعطى البقاء من أحبّه ، وإنّا لعلى بيّنة من ربّنا ، وإن أنفسنا لن تموت حتى يأتي أجلها ، وكيف لا نقاتل قوما هم كما وصف أمير المؤمنين ، وقد وثبت عصابة منهم على طائفة من المسلمين بالأمس ، وباعوا خلاقهم « 5 » بعرض من الدنيا يسير » . فقال علىّ : الطريق مشترك ، والناس في الحق سواء ، ومن اجتهد رأيه في نصيحة العامة ، فقد قضى ما عليه » ثم نزل فدخل منزله .
--> ( 1 ) هي ها التنبيه ، وهي تدخل على اسم اللّه في القسم عند حذف الحرف ، تقول : ها اللّه بقطع الهمزة ووصلها ، وكلاهما مع إثبات ألف « ها » وحذفها . ( 2 ) البراذين : الدواب ، جمع برذون . ( 3 ) خليط . ( 4 ) قتل عميا بكسر العين والميم مشددة مع تشديد الياء : لم يدر من قتله . ( 5 ) الخلاق : النصيب الوافر من الخير .