أحمد زكي صفوت
30
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
وحدّنا أليل « 1 » ، ومعجمنا صليب « 2 » ، ولقاءنا مهيب ، فقال له : يا عام إنه لقليل بقاء الصّخرة الصّرّاء « 3 » على وقع الملاطيس « 4 » ، فقال : أبيت اللعن ، إنّ صفاتنا عبر المراديس « 5 » ، فقال : لأوقظنّ قومك من سنة الغفلة . ثم لأعقبنّهم بعدها رقدة لا يهبّ راقدها ، ولا يستيقظ هاجدها « 6 » ، فقال له عامر : إن البغى أباد عمرا « 7 » ، وصرع حجرا « 8 » ، وكانا أعزّ منك سلطانا ، وأعظم شانا ، وإن لقيتنا لم تلق أنكاسا
--> ( 1 ) حاد ، والله تأليلا حدده . ( 2 ) عجم العود كنصر : إذا عضه ليعرف صلابته من خوره ، والمعجم اسم مكان منه وصليب أي صلب ، وهو كناية عن شدتهم ومنعتهم . ( 3 ) صخرة صراء : صماء . ( 4 ) الملطس : كمنبر ، والملطاس : المعول الغليظ لكسر الحجارة . ( 5 ) الصفاة : الحجر الصلد الضخم ، ويقال ناقة عبر أسفار ( بتثليث العين ) أي قوية على السفر تشق ما مرت به ، تقطع الأسفار عليها ، وكذا الرجل الجرىء على الأسفار الماضي فيها القوى عليها ، والمردس والمرداس : شيء صلب عريض تدك به الأرض ، وردسها دكها به وردس الحجر بالحجر ( كنصر وضرب ) كسره ، ومعنى العبارة إن صفاتنا تحتمل دك المراديس فلا تتحطم تحتها ، كناية عن صلابتهم وشدتهم . ( 6 ) الهجود : النوم . ( 7 ) هو عمرو بن المنذر بن ماء السماء ملك الحيرة ، وكان يلقب مضرط الحجارة نشدة ملكه ، وقوة سياسته ( وهو عمرو بن هند ) وأمه هند بنت الحارث بن عمرو عمة امرئ القيس بن حجر بن الحارث ، وكان سبب قتله أنه قال يوما لجلسائه : هل تعلمون أن أحدا من العرب يأنف أن تخدم أمه أمي ؟ قالوا : ما نعرفه إلا أن يكون عمرو بن كلثوم التغلبي ؛ فإن أمه ليلى بنت مهلهل بن ربيعة ، وعمها كليب وائل ، وزوجها كلثوم بن عتاب ، وابنها عمرو ، فسكت مضرط الحجارة على ما في نفسه وبعث إلى عمرو بن كلثوم يستزيره ، ويسأله أن تزور أمه أمه ، فقدم عمرو بن كلثوم في فرسان من بنى تغلب ، ومعه أمه ليلى ، فنزل على شاطئ الفرات ، وبلغ عمرو بن هند قدومه ، فأمر فضربت خيامه بين الحيرة والفرات ، وأرسل إلى وجوه أهل مملكته ، فصنع لهم طعاما ، ثم دعا الناس إليه فقرب إليهم الطعام على باب السرادق ، وجلس هو وعمرو بن كلثوم وخواص أصحابه في السرادق ، ولأمه هند قبة في جانب السرادق ، وليلى أم عمرو ابن كلثوم معها في القبة « وقد قال مضرط الحجارة لأمه إذا فرغ الناس من الطعام ولم يبق إلا الطرف فنحى خدمك عنك ؛ فإذا دنا الطرف فاستخدمى ليلى ومريها فتناولك الشئ بعد الشئ ، ففعلت هند ما أمرها به ابنها ، فلما استدعى الطرف ، قالت هند لليلى : ناوليني ذلك الطبق . قالت لتقم صاحبة الحاجة إلى حاجتها ، فألحت عليها ، فقالت ليلى : وا ذلاه يا آل تغلب فسمعها ولدها عمرو بن كلثوم ، فثار الدم في وجهه والقوم يشربون ، فعرف عمرو بن هند الشر في وجهه وثار ابن كلثوم إلى سيف ابن هند وهو معلق في السرادق وليس هناك سيف غيره فأخذه ، ثم ضرب به رأس مضرط الحجارة فقتله ، وخرج فنادى يا آل تغلب فانتهبوا ماله وخيله ، وسبوا النساء ، وساروا فلحقوا بالحيرة ( تاريخ الكامل لابن الأثير 1 : 197 ) . ( 8 ) هو حجر بن الحارث ( أبو امرئ القيس ) وقد تقدم خبره .