أحمد زكي صفوت

264

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

تقاتل من ورائهم ، ولا تكلّفهم فوق طاقتهم ، إذا أدّوا ما عليهم للمؤمنين طوعا ، أو عن يد وهم صاغرون ، وأوصيك بتقوى اللّه وشدّة الحذر منه ، ومخافة مقته ، أن يطّلع منك على ريبة ، وأوصيك أن تخشى اللّه في الناس ، وتخشى الناس في اللّه ، وأوصيك بالعدل في الرّعية ، والتفرغ لحوائجهم وثغورهم ، ولا تؤثر غنيهم على فقيرهم ، فإن ذلك بإذن اللّه سلامة لقلبك ، وحطّ لوزرك ، وخير في عاقبة أمرك ، حتى تفضى من ذلك إلى من يعرف سريرتك ، ويحول بينك وبين قلبك ، وآمرك أن تشتد في أمر اللّه ، وفي حدوده ومعاصيه ، على قريب الناس وبعيدهم ، ثم لا تأخذك في أحد رأفة حتى تنتهك منه ، مثل ما انتهك من حرمة اللّه ، واجعل الناس عندك سواء ، لا تبالى على من وجب الحق ، ثم لا تأخذك في اللّه لومة لائم ، وإياك والأثرة والمحاباة فيما ولّاك اللّه ، مما أفاء اللّه على المؤمنين ، فتجور وتظلم ، وتحرم نفسك من ذلك ما قد وسعه اللّه عليك ، وقد أصبحت بمنزلة من منازل الدنيا والآخرة ، وأنت إلى الآخرة جدّ قريب فإن اقترفت لدنياك عدلا وعفة عما بسط اللّه لك ، اقترفت به إيمانا ورضوانا ، وإن غلبك الهوى ، اقترفت به سخط اللّه ، وأوصيك ألّا ترخّص لنفسك ولا لغيرك في ظلم أهل الذمة ، وقد أوصيتك وحضضتك ونصحتك ، فابتغ بذلك وجه اللّه والدار الآخرة ، واخترت من دلالتك ما كنت دالّا عليه نفسي وولدى ، فإن عملت بالذي وعظتك ، وانتهيت إلى الذي أمرتك ، أخذت به نصيبا وافرا ، وحظّا وافيا ، وإن لم تقبل ذلك ، ولم يهمّك ، ولم تنزل معاظم الأمور عند الذي يرضى اللّه به عنك ، يكن ذلك بك انتقاصا ، ورأيك فيه مدخولا ، لأن الأهواء مشتركة ، ورأس كل خطيئة إبليس ، وهو داع إلى كل هلكة ، وقد أضلّ القرون السالفة قبلك ، فأوردهم النار ، ولبئس الثمن أن يكون حظّ امرئ موالاة عدوّ اللّه الداعي إلى معاصيه ، ثم اركب الحق وخض إليه الغمرات ، وكن واعظا لنفسك ، أنشدك اللّه لما ترحّمت على جماعة المسلمين ، فأجللت كبيرهم ، ورحمت صغيرهم ، ووقرت عالمهم ، ولا تضربهم فيذلّوا ، ولا تستأثر