أحمد زكي صفوت
226
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
ولا تقولوا إنّ عدوّنا شرّ منا ، فلن يسلّط علينا ، فربّ قوم سلّط عليهم شرّ منهم كما سلّط على بني إسرائيل ( لما عملوا بمساخط اللّه ) كفّار المجوس ، فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا ، واسألوا اللّه العون على أنفسكم ، كما تسألونه النصر على عدوكم . أسأل اللّه تعالى ذلك لنا ولكم . وترفّق بالمسلمين في مسيرهم ، ولا تجشّمهم مسيرا يتعبهم ، ولا تقصّر بهم عن منزل يرفق بهم ، حتى يبلغوا عدوهم ( والسّفر لم ينقص قوّتهم ) فإنهم سائرون إلى عدوّ مقيم ، حامى الأنفس والكراع « 1 » ، وأقم بمن معك في كلّ جمعة يوما وليلة ، حتى تكون لهم راحة يحيون فيها أنفسهم ، ويرمّون « 2 » أسلحتهم وأمتعتهم ، ونحّ منازلهم عن قرى أهل الصلح والذّمة ، فلا يدخلها من أصحابك إلا من تثق بدينه ، ولا يرزأ « 3 » أحدا من أهلها شيئا ، فإن لهم حرمة وذمة ابتليتم بالوفاء بها ، كما ابتلوا بالصبر عليها ، فما صبروا لكم فتولوهم خيرا ، ولا تستنصروا على أهل الحرب بظلم أهل الصلح ، وإذا وطئت أرض العدوّ فأذك « 4 » العيون بينك وبينهم ، ولا يخف عليك أمرهم ، وليكن عندك من العرب ، أو من أهل الأرض من تطمئن إلى نصحه وصدقه ، فإن الكذوب لا ينفعك خبره ، وإن صدقك في بعضه ، والغاش عين عليك ، وليس عينا لك ، وليكن منك عند دنوّك من أرض العدوّ أن تكثر الطلائع ، وتبثّ السّرايا « 5 » بينك وبينهم ، فتقطع السرايا أمدادهم ومرافقهم ، وتتّبع الطلائع عوراتهم ، وتنقّ « 6 » للطلائع أهل الرّأى والبأس من أصحابك ، وتخيّر لهم سوابق الخيل ، فإن لقوا عدوّا كان أول ما تلقاهم القوة من رأيك ، واجعل أمر السّرايا إلى أهل الجهاد ، والصّبر على الجلاد ، ولا تخصّ بها أحدا بهوى ، فتضيع من رأيك وأمرك ، أكثر مما حابيت به أهل
--> ( 1 ) الكراع من كل شيء : طرفه واسم يجمع الخيل . ( 2 ) رمه يرمه : أصلحه . ( 3 ) رزأه ماله : أصاب منه شيئا . ( 4 ) أذكى عليه العيون : إذا أرسل عليه الطلائع . ( 5 ) جمع سرية ، وهي من خمسة أنفس إلى ثلاثمائة أو أربعمائة . ( 6 ) تنقاه وانتقاه : اختاره .