أحمد زكي صفوت

208

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

استشرى « 1 » في دين اللّه ، فما برحت شكيمته « 2 » في ذات اللّه عزّ وجلّ ، حتى اتخذ بفنائه مسجدا ، يحيى فيه ما أمات المبطلون ، وكان رحمه اللّه غزير الدّمعة ، وقيذ « 3 » الجوانح ، شجىّ النّشيج « 4 » ، فانقضّت إليه نسوان مكة وولدانها ، يسخرون منه ويستهزءون به « اللّه يستهزئ بهم ، ويمدّهم في طغيانهم يعمهون » « 5 » فأكبرت ذلك رجالات من قريش ، فحنت قسيّها ، وفوّقت سهامها « 6 » ، وامتثلوه « 7 » غرضا ، فما فلّوا له صفاة « 8 » ، ولا قصفوا له قناة ، ومرّ على سيسائه « 9 » ، حتى إذا ضرب الدين بجرانه « 10 » ، ورست أوتاده ، ودخل الناس فيه أفواجا ، ومن كل فرقة أرسالا « 11 » وأشتاتا ، اختار اللّه لنبيه ما عنده ، فلما قبض اللّه نبيه صلى اللّه عليه وسلم ضرب الشيطان رواقه « 12 » ، ومدّ طنبه « 13 » ، ونصب حبائله ، وأجلب « 14 » بخيله ورجله ، واضطرب حبل الإسلام ، ومرج « 15 » عهده ، وماج أهله ، وبغى الغوائل ، فظنت رجال أن قد أكثبت « 16 » أطماعهم ، ولات حين الذي يرجون ، وأنّى والصّديق بين أظهرهم ، فقام حاسرا مشمّرا ،

--> ( 1 ) غضب ولج . ( 2 ) الشكيمة الأنفة وفي اللجام الحديدة المعترضة في فم الفرس . وهو شديد الشكيمة أنف أبى لا ينقاد . ( 3 ) الوقيذ : الصريع والشديد المرض المشرف . ( 4 ) الشجى : الحزين ، والنشيج : صوت البكاء نشج الباكي ينشج كجلس غص بالبكاء في حلقه من غير انتحاب . ( 5 ) العمة بفتحتين التردد في الضلال . ( 6 ) فوق السهم : جعل له فوقا ، وهو موضع الوتر من السهم . ( 7 ) امتثلوه : مثلوه . ( 8 ) الحجر الصلد : الضخم . ( 9 ) شدته . حمله على سيساء الحق أي على حده ، والسيساء : عظم الظهر ، والعرب تضربه مثلا لشدة الأمر . ( 10 ) جران البعير : مقدم عنقه من مذبحه إلى منحره . ( 11 ) جمع رسل بفتحتين ، وهو القطيع من كل شيء . ( 12 ) فسطاطه . ( 13 ) حبل طويل يشد به سرادق البيت أو الوتد . ( 14 ) أجلب : صاح ، والخيل : الخيالة ؛ ومنه « يا خيل اللّه اركبى » والرجل : اسم جمع راجل كالصحب والركب ، أي صاح بالركاب والمشاة وقرئ ورجلك بكسر الجيم وضمها . ( 15 ) المرج : بفتحتين الفساد والقلق والاختلاط والاضطراب ( وإنما يسكن مع الهرج ) . ( 16 ) أكثب : قرب ، والنهز جمع نهزة بضم النون وهي الفرصة .