أحمد زكي صفوت
209
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
فجمع حاشيتيه « 1 » ، ورفع قطريه « 2 » ، فردّ رسن « 3 » الإسلام على غربه « 4 » ، ولم شعثه بطبه ، وانتاش « 5 » الدين فنعشه ، فلما أراح « 6 » الحقّ على أهله ، وقرّر الرؤوس على كواهلها « 7 » ، وحقن الدماء في أهبها « 8 » ، أتته منيته ، فسدّ ثلمته بنظيره في الرحمة ، وشقيقه في السيرة والمعدلة ، ذاك ابن الخطاب ، فللّه درّ أمّ « 9 » حملت به ، ودرّت عليه ، لقد أوحدت « 10 » به ، ففنّخ « 11 » الكفرة ، وديّخها « 12 » ، وشرد الشرك شذر مذر « 13 » ، وبعج « 14 » الأرض وبخعها « 15 » ، فقاءت أكلها « 16 » ولفظت خبأها ، ترأمه « 17 » ويصدف عنها ، وتصدّى « 18 » له ويأباها ، ثم وزع فيها فيئها ، وودّعها كما صحبها ، فأروني ما ذا ترتئون ، وأىّ يومى أبى تنقمون ، أيوم إقامته إذ عدل فيكم أم يوم ظعنه إذ نظر لكم « 19 » ؟ أقول قولي هذا وأستغفر اللّه لي ولكم ، ثم أقبلت على الناس بوجهها ، فقالت : أنشدكم اللّه هل أنكرتم مما قلت شيئا ، قالوا : اللهم لا » ( صبح الأعشى 1 : 248 ، والعقد الفريد 2 : 206 ، ونهاية الأرب 7 : 230 )
--> ( 1 ) حاشية كل شيء : جانبه وطرفه . ( 2 ) القطر : الناحية . ( 3 ) الحبل . ( 4 ) الغرب : حد الشئ . ( 5 ) انتشل ، ونعشه اللّه كأنعشه ، ونعشه : رفعه . ( 6 ) أراح على فلان حقه : رده عليه . ( 7 ) الكاهل : مقدم أعلى الظهر مما يلي العنق . ( 8 ) جمع إهاب ، وهو الجلد ، والمراد الأجسام . ( 9 ) الدر : اللبن والنفس والعمل . ( 10 ) أوحدت المرأة : ولدت واحدا ، أي جاءت به منفردا لا نظير له . ( 11 ) أذل وقهر . ( 12 ) داخ البلاد ودوخها وديخها : قهرها واستولى على أهلها . ( 13 ) تفرقوا شذر مذر : ذهبوا في كل وجه . ( 14 ) شقها : كناية عن الفتح . ( 15 ) قهر أهلها واستخرج ما فيها من الكنوز وأموال الملوك . ( 16 ) الأكل : ما يؤكل ؛ أي أخرجت خيراتها . ( 17 ) تعطف عليه ، ويصدف أي يعرض . ( 18 ) تتعرض . ( 19 ) أي فيما يصلحكم فولى عليكم عمر .