أحمد زكي صفوت

193

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

« الحمد للّه الذي لا إله إلا هو ، الذي بعث محمدا صلى اللّه عليه وسلم بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ، فإن اللّه منجز وعده ، ومعز دينه ، ومهلك عدوه » ثم أقبل على أبى بكر فقال : « نحن غير مخالفين لك ، ولا متخلفين عنك ، وأنت الوالي الناصح الشفيق ، ننفر إذا استنفرتنا ، ونطيعك إذا أمرتنا ، ونجيبك إذا دعوتنا » . ففرح أبو بكر بمقالته ، وقال له : « جزاك اللّه من أخ وخليل خيرا ، فقد أسلمت مرتغبا ، وهاجرت محتسبا ، وهربت بدينك من الكفار ، لكي يطاع اللّه ورسوله ، وتكون كلمة اللّه هي العليا ، فتيسّر رحمك اللّه » . فتجهز خالد بن سعيد بأحسن الجهاز وخرج هو وإخوته وغلمانه ومن تبعه من أهل بيته ، فكان أول من عسكر ، وأمر أبو بكر بلالا فنادى في الناس : أن انفروا إلى جهاد عدوكم الروم بالشام ، فنفروا إليه - وكان خالد من عمال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فكره الإمارة واستعفى أبا بكر فأعفاه - ( فتوح الشام ص 1 ) ورأى أبو بكر أن يكتب كتابا إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الجهاد ، ويرغبهم في ثوابه ، وبعث الكتاب مع أنس بن مالك . قال أنس : أتيت أهل اليمن جناحا جناحا وقبيلة قبيلة ، أقرأ عليهم كتاب أبى بكر وإذا فرغت من قراءته قلت : « الحمد للّه ؛ وأشهد أن لا إله إلا اللّه ، وأن محمدا عبده ورسوله ، بسم اللّه الرحمن الرحيم ، أما بعد : فإني رسول خليفة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ورسول المسلمين إليكم ، ألا وإني قد تركتهم معسكرين ، ليس يمنعهم من الشخوص إلى عدوهم إلا انتظاركم ، فعجلوا إلى إخوانكم رحمة اللّه عليكم أيها المسلمون » . فكان كل من أقرأ عليه ذلك الكتاب ، ويسمع منى هذا القول يحسن الرد على ، ويقول : نحن سائرون وكأنا قد فعلنا . 53 - خطبة ذي الكلاع حتى انتهيت إلى ذي الكلاع ، فلما قرأت عليه الكتاب ، وقلت هذا المقال ؛ دعا بفرسه وسلاحه ؛ ونهض في قومه من ساعته ولم يؤخر ذلك ، وأمر بالمعسكر فما برحنا حتى عسكر وعسكر معه جموع كثيرة من أهل اليمن وسارعوا ، فلما اجتمعوا إليه قام فيهم :