يوسف بن عبد الله النمري القرطبي ( ابن عبد البر )
49
جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله ( ط . دار الفكر )
وأما الطب فلفهم طبائع نبات الأرض وشجرها ومياهها ومعادنها وجواهرها وطعومها وروائحها ومعرفة العناصر والأركان وخواص الحيوان ، وطبائع الأبدان والغرائز والأعضاء ، والآفات العارضة وطبائع الأزمان والبلدان ، ومنافع الحركة والسكون ، وضروب المداواة والرفق والسياسة ، فهذا هو العلم الثاني الأوسط ، وهو علم الأبدان ، والعلم الأول الأعلى علم الأديان . والعلم الثالث الأسفل ما دربت على عمله الجوارح كما قدمنا ذكره . واتفق أهل الأديان أن العلم الأعلى هو علم الدين . واتفق أهل الإسلام أن الدين تكون معرفته على ثلاثة أقسام ، أولها معرفة خاصة الإيمان والإسلام ، وذلك معرفة التوحيد والإخلاص ، ولا يوصل إلى علم ذلك إلا بالنبي صلى اللّه عليه وسلم ، فهو المؤدى عن اللّه والمبين لمراده ، وبما في القرآن من الأمر بالاعتبار في خلق اللّه بالدلائل من آثار صنعته في بريته على توحيده وأزليته سبحانه ، والإقرار والتصديق بكل ما في القرآن وبملائكة اللّه وكتبه ورسله . والقسم الثاني معرفة مخرج خبر الدين وشرائعه ، وذلك معرفة النبي صلى اللّه عليه وسلم الذي شرع اللّه الدين على لسانه ويده ، ومعرفة أصحاب الدين أدوا ذلك عنه ، ومعرفة الرجال الذين حملوا ذلك وطبقاتهم إلى زمانك ، ومعرفة الخبر الذي يقطع العذر لتواتره وظهوره . وقد وضع العلماء في كتب الأصول من تلخيص وجوه الأخبار ومخارجها ما يكفى الناظر فيه ويشفيه ، وليس هذا موضع ذكر ذلك لخروجنا به عن تأليفنا وعن ماله قصدنا . والقسم الثالث معرفة السنن واجبها وأدبها وعلم الأحكام وفي ذلك يدخل خبر الخاصة العدول ومعرفته ، ومعرفة الفريضة من النافلة ، ومخارج الحقوق والتداعى ، ومعرفة الإجماع من الشذوذ . قالوا ولا يوصل إلى الفقه إلا بمعرفة ذلك وباللّه التوفيق . قال أبو إسحاق الحوفى : العلوم ثلاثة ، علم دنياوى ، وعلم دنياوى وأخروي