يوسف بن عبد الله النمري القرطبي ( ابن عبد البر )
46
جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله ( ط . دار الفكر )
والعلوم تنقسم قسمين : ضروري ، ومكتسب . فحد الضروري ما لا يمكن العالم أن يشكك فيه نفسه ولا يدخل فيه على نفسه شبهة ، ويقع له العلم بذلك قبل الفكرة والنظر ، ويدرك ذلك من جهة الحس والعقل ، كالعلم باستحالة كون الشئ متحركا ساكنا ، أو قائما قاعدا ، أو مريضا صحيحا في حال واحدة . ومن الضروري أيضا وجه آخر يحصل بسبب من جهة الحواس الخمس ، كذوق الشئ يعلم به المرارة والحلاة ضرورة إذا سلمت الجارحة من آفة وكرؤية الشئ يعلم بها الألوان والأجسام ، وكذلك السمع يدرك به الأصوات . ومن الضروري أيضا علم الناس أن في الدنيا مكة والهند ومصر والصين وبلدانا عرفوها وأنما قد خلت . وأما العلم المكتسب فهو ما كان طريقه الاستدلال والنظر ومنه الخفي والجلى فما قرب من العلوم الضرورية كان أجلى وما بعد منها كان أخفى . والمعلومات على ضربين : شاهد ، وغائب فالشاهد ما علم ضرورة ، والغائب ما علم بدلالة من الشاهد . والعلوم عند جميع أهل الديانات ثلاثة : علم أعلى ، وعلم أسفل ، وعلم أوسط ، فالعلم الأعلى عندهم علم الدين الذي لا يجوز لأحد الكلام فيه بغير ما أوله اللّه في كتبه وعلى ألسنة أنبيائه صلوات اللّه عليهم نصا . والعلم الأوسط هو معرفة علوم الدنيا التي يكون معرفة الشئ منها بمعرفة نظيره ، ويستدل عليه بجنسه ونوعه ، كعلم الطب والهندسة والعلم الأسفل هو أحكام الصناعات وضروب الأعمال ، مثل السباحة والفروسية والزي والتزويق والخط وما أشبه ذلك من الأعمال التي هي أكثر من أن يجمعها كتاب أو يأتي عليها وصف ، وإنما تحصل بتدريب الجوارح فيها . وهذا التقسيم في العلوم كذلك هو عند أهل الفلسفة إلا أن العلم الأعلى عندهم هو علم القياس في العلوم العلوية التي ترتفع عن الطبيعة والفلك ، مثل الكلام في حدوث العالم وزمانه ، والتشبيه ونفيه ، وأمور لا يدرك شيء منها بالمشاهدة ولا بالحواس قد أغنت عن الكلام فيها كتب اللّه الناطقة بالحق ، المنزلة بالصدق ، وما صح عن الأنبياء صلوات اللّه