يوسف بن عبد الله النمري القرطبي ( ابن عبد البر )
47
جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله ( ط . دار الفكر )
عليهم . ثم العلم الأوسط والأسفل عندهم على ما ذكرنا عن أهل الأديان ، إلا أن العلم الأوسط ينقسم عندهم على أربعة أقسام هي كانت عندهم رؤوس العلوم ، وهي علم الحساب والتنجيم والطب وعلم الموسيقى ومعناه تأليف اللحون وتعديل الأصوات ووزن الأنقار وأحكام صنوف الملاهي . فأما علم الموسيقى واللهو فمطرح ومنبوذ عند جميع أهل الأديان على شرائط العلم والإيمان ، وأما علم الحساب فالصحيح عندهم منه معرفة العدد والضرب والقسمة والتسمية وإخراج الجذور ومعرفة جمل الأعداد ومعنى الخط والدائرة والنقطة وإخراج الأشكال بعضها من بعض وما شاكل ذلك . والحساب علم لا يكاد يستغنى عنه ذو علم من العلوم . وأما التنجيم فثمرته وفائدته عند جميع أهل الأديان جرية الفلك ومسير الدراري ومطالع البروج ، ومعرفة ساعة الليل والنهار وقوس الليل من قوس النهار في كل بلد وفي كل يوم ، وبعد كل بلد من خط الاستواء ، ومن المجر الشمالي والأفق الشرقي والغربى ، ومولد الهلال وظهوره واطلاع الكوكب للأنواء وغيرها ومشيها واستقامتها وأخذها في الطول والعرض ، وكسوف الشمس والقمر ووقته ومقداره في كل بلد ، ومعنى سنى الشمس والقمر وسنى الكواكب . ومن أهل العلم من ينكر شيئا مما وصفنا أنه لا يعلم أحد بالنجامة شيئا من الغيب ولا علمه أحد قط علما صحيحا إلا أن يكون نبيا خصه اللّه بما لا يجوز إدراكه . قالوا ولا يدعى معرفة الغيب بها اليوم على القطع إلّا كل جاهل منقوص مغتر متخرص ، إذ في أقدارهم أنه لا يمكن تحديثها إلا في أكثر من عمر الدنيا ما يكذبهم في كل ما يدعون معرفته بها ، والمتخرصون بالنجامة كالمتخرصين بالعيافة والزجر وخطوط الكف والنظر في الكتف وفي مواضع قرض الفار ، وفي الخيلان والعلاج بالفكر وملك الجن وما شاكل ذلك مما لا تقبله العقول ولا يقوم عليه برهان ولا يصح من ذلك كله بشئ ، لأن ما يدركون منه يخطئون في مثله مع فساد أصله ، وفي إدراكهم الشئ وذهاب مثله أضعافا ما يدلك على فساد ما زعموه ، ولا صحيح على الحقيقة إلا ما جاء في أخبار الأنبياء صلوات اللّه عليهم .