يوسف بن عبد الله النمري القرطبي ( ابن عبد البر )

209

جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله ( ط . دار الفكر )

صاحبه ، فهم يفرطون في انتقاص الطائفة الأولى وتجهيلها وعيبها ، وتلك تعيب هذه بضروب من العيب ، وكلهم يتجاوز الحد في الذم ، وعند كل واحد من الطائفتين خير كثير وعلم كبير . أما أولئك فكالخزان الصيد لا تبين ، وهؤلاء في جهل معاني ما حملوه مثلهم إلا أنهم كالمعالجين ، بأيديهم العلل لا يقفون على حقيقة الداء المولد لها ولا على حقيقة طبيعية الدواء المعالج به ، فأولئك أقرب إلى السلامة في العاجل والآجل ، وهؤلاء أكثر فائدة في العاجل وأكبر غرورا في الآجل . وإلى اللّه نفزع في التوفيق لما يقرب من رضاه ، ويوجب السلامة من سخطه ، فإنما ينال ذلك برحمته وفضله . واعلم يا أخي أن المفرط في حفظ المولدات لا يؤمن عليه الجهل بكثير من السنن إذا لم يكن تقدم علمه بها ، وأن المفرط في حفظ طرق الآثار دون الوقوف على معانيها وما قال الفقهاء فيها لصفر من العلم ، وكلاهما قانع بالشم من المطعم ، ومن اللّه التوفيق والحرمان ، وهو حسبي وبه أعتصم . واعلم يا أخي أن الفروع لا حد لها تنتهى إليه أبدا ، ولذلك تشعبت ، فمن رام أن يحيط بآراء الرجال فقد رام ما لا سبيل له ولا لغيره إليه ، لأنه لا يزال يرد عليه ما لا يسمع ، ولعله أن ينسى أول ذلك بآخره لكثرته ، فيحتاج أن يرجع إلى الاستنباط الذي كان يفزع منه ويجبن عنه تورعا بزعمه أن غيره كان أدرى بطريق الاستنباط منه ، فلذلك عول على حفظ قوله . ثم إن الأيام تضطره إلى الاستنباط مع جهله بالأصول ، فجعل الرأي أصلا واستنبط عليه . وقد تقدم في كتابنا هذا كيف وجه القول واجتهاد الرأي على الأصول عندما ينزل بالعلماء من النوازل في أحكامهم ملخصا في أبواب مهذبة ، من تدبرها وفهمها وعمل عليها نال حظه ووفق لرشده إن شاء اللّه . واعلم أنه لم تكن مناظرة بين اثنين أو جماعة من السلف إلا لتفهم وجه الصواب فيصار إليه ، ويعرف أصل القول وعلته فيجرى عليه أمثلته ونظائره