يوسف بن عبد الله النمري القرطبي ( ابن عبد البر )

210

جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله ( ط . دار الفكر )

وعلى هذا الناس في كل بلد إلا عندنا كما شاء اللّه ربنا وعند من سلك سبيلنا من أهل المغرب ، فإنهم لا يقيمون علة ولا يعرفون للقول وجها ، وحسب أحدهم أن يقول فيها رواية لفلان ورواية لفلان ، ومن خالف عندهم الرواية التي لا يقف على معناها وأصلها وصحة وجهها فكأنه قد خالف نص الكتاب وثابت السنة ويجيزون حمل الروايات المتضادة في الحلال والحرام ، وذلك خلاف أصل مالك ، وكم وكم لهم من خلاف أصول مذهبه مما لو ذكرناه لطال الكتاب بذكره ، ولتقصيرهم عن علم الأصول مذهبهم صار أحدهم إذا لقى مخالفا ممن يقول بقول أبي حنيفة أو الشافعي أو داود بن علي أو غيرهم من الفقهاء وخالفه في أصل قوله بقي متحيرا ولم يكن عنده أكثر من حكاية قول صاحبه ، فقال هكذا قال فلان وهكذا روينا ، ولجأ إلى أن يذكر فضل مالك ومنزلته ، فإن عارضه الآخر بذكر فضل إمامه أيضا صار في المثل كما قال الأول : شكونا إليهم خراب العرا * ق فعابوا علينا شحوم البقر فكانوا كما قيل فيما مضى * أريها السها وتريني القمر وفي مثل ذلك يقول منذر بن سعيد رحمه اللّه : عذيرى من قوم يقولون كلما * طلبت دليلا هكذا قال مالك فإن عدت قالوا هكذا قال أشهب * وقد كان لا تخفى عليه المسالك فإن زدت قالوا قال سحنون مثله * ومن لم يقل ما قاله فهو آفك فإن قلت قال اللّه ضجوا وأكثروا * وقالوا جميعا أنت قرن مماحك وإن قلت قد قال الرسول فقولهم * أتت مالكا في ترك ذاك المسالك وأجازوا النظر في اختلاف أهل مصر وغيرهم من أهل المغرب فيما خالفوا فيه مالكا من غير أن يعرفوا وجه قول مالك ولا وجه قول مخالفه منهم ، ولم يبيحوا النظر في كتب من خالف مالكا إلى دليل يبينه ، ووجه يقيمه لقوله وقول مالك ، جهلا منهم وقلة نصح ، وخوفا من أن تطلع الطالب على ما هم فيه من النقص والتقصير فيزهد فيهم ، وهم مع ما وصفنا يعيبون من خالفهم ويغتابونه ، ويتجاوزون القصد في ذمه ، ليوهموا السامع أنهم على حق وأنهم