يوسف بن عبد الله النمري القرطبي ( ابن عبد البر )
208
جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله ( ط . دار الفكر )
طريق سلفهم ، وسلكوا في ذلك ما لم يعرفه أئمتهم ، وابتدعوا في ذلك ما بان به جهلهم وتقصير هم عن مراتب العلماء قبلهم ، فطائفة منهم تروى الحديث وتسمعه قد رضيت بالدءوب في جمع ما لا تفهم ، وقنعت بالجهل في حمل ما لا تعلم ، فجمعوا الغث والثمين ، والصحيح والسقيم ، والحق والكذب في كتاب واحد ، وربما في ورقة واحدة ويدينون بالشئ وضده ، ولا يعرفون ما في ذلك عليهم ، قد شغلوا أنفسهم بالاستكثار عن التدبر والاعتبار ، فألسنتهم تروى العلم ، وقلوبهم قد خلت من الفهم ، غاية أحدهم معرفة الكتب الغريبة والاسم الغريب أو الحديث المنكر ، وتجده قد جهل ما لا يكاد يسع أحدا جهله من علم صلاته وحجه وصيامه وزكاته ، وطائفة هي في الجهل كتلك أو أشد ، لم يعنوا بحفظ سنة ولا الوقوف على معانيها ولا بأصل من القرآن ، ولا اعتنوا بكتاب اللّه اللّه جل وعز فحفظوا تنزيله ، ولا عرفوا ما للعلماء في تأويله ، ولا وقفوا على أحكامه ، ولا تفقهوا في حلاله وحرامه ، قد اطرحوا علم السنن والآثار ، وزهدوا فيهما وأضربوا عنهما ، فلم يعرفوا الإجماع من الاختلاف ، ولا فرقوا بين التنازع والائتلاف ، بل عولوا على حفظ ما دوّن لهم من الرأي والاستحسان الذي كان عند العلماء آخر العلم والبيان ، وكان الأئمة يبكون على ما سلف وسبق لهم فيه ويودون أن حظهم السلامة منه . ومن حجة هذه الطائفة فيما عولوا عليه من ذلك أنهم يقصرون وينزلون عن مراتب من له القول في الدين لجهلهم بأصوله ، وأنهم مع الحاجة إليهم لا يستغنون عن أجوبة الناس في مسائلهم وأحكامهم ، فلذلك اعتمدوا على ما قد كفاهم الجواب فيه غيرهم ، وهم مع ذلك لا ينفكون من ورود النوازل عليهم فيما لم يتقدمهم فيه إلى الجواب غيرهم ، فهم يقيسون على ما حفظوا من تلك المسائل ، ويفرضون الأحكام فيها ، ويستدلون منها ، ويتركون طريق الاستدلال من حيث استدل الأئمة وعلماء الأمة فجعلوا ما يحتاج أن يستدل عليه دليلا على غيره . ولو علموا أصول الدين وطريق الأحكام وحفظوا السنن كان ذلك قوة لهم على ما ينزل بهم ، ولكنهم جهلوا ذلك فعادوه وعادوا