يوسف بن عبد الله النمري القرطبي ( ابن عبد البر )

207

جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله ( ط . دار الفكر )

أبو القاسم عبيد اللّه بن عمر المعروف بالشافعى قال حدثني جماعة منهم الحسن ابن حبيب الدمشقي عن الربيع بن سليمان قال سمعت الشافعي محمد بن إدريس يقول : من حفظ القرآن عظمت قيمته ، ومن طلب الفقه نبل قدره ، ومن كتب الحديث قويت حجته ، ومن نظر في النحو رق طبعه ، ومن لم يصن نفسه لم يصنه العلم . وأخبرناه أبو عمر أحمد بن محمد بن أحمد قال سمعت أبا القاسم عبيد اللّه بن عمر الشافعي يقول قال الشافعي رحمه اللّه : من حفظ القرآن عظمت حرمته ، ثم ذكر مثله سواء إلى آخره . ويلزم صاحب الحديث أن يعرف الصحابة المؤدين للدين عن نبيهم صلى اللّه عليه وسلم ، ويعنى بسيرهم وفضائلهم ، ويعرف أحوال الناقلين عنهم وأيامهم وأخبارهم ، حتى يقف على العدول منهم من غير العدول ، وهو أمر قريب كله على من اجتهد ، فمن اقتصر على علم إمام واحد وحفظ ما كان عنده من السنن ووقف على غرضه ومقصده في الفتوى حصل على نصيب من العلم وافر ، وحظ منه حسن صالح ، فمن قنع بهذا اكتفى والكفاية غير الغنى ، والاختيار له أن يجعل إمامه في ذلك إمام أهل المدينة دار الهجرة ومعدن السنة ، ومن طلب الإمامة في الدين وأحب أن يسلك سبيل الذين جاز لهم الفتيا نظر في أقاويل الصحابة والتابعين والأئمة في الفقه إن قدر على ذلك نأمره بذلك كما أمرناه بالنظر في أقاويلهم في تفسير القرآن . فمن أحب الاقتصار على أقاويل علماء الحجاز اكتفى واهتدى إن شاء اللّه ، وإن أحب الإشراف على مذاهب الفقهاء متقدميهم ومتأخريهم بالحجاز والعراق وأحب الوقوف على ما أخذوا وتركوا من السنن وما اختلفوا في تثبيته وتأويله من الكتاب والسنة كان ذلك له مباحا ووجها محمودا ، إن فهم وضبط ما علم ، أو سلم من التخليط نال درجة رفيعة ، ووصل إلى جسيم من العلم واتسع ونبل إذا فهم ما اطلع ، وبهذا يحصل الرسوخ لمن فقهه اللّه وصبر على هذا الشأن واستحلى مرارته واحتمل ضيق المعيشة فيه . واعلم رحمك اللّه أن طلب العلم في زماننا هذا وفي بلدنا قد حاد أهله عن