يوسف بن عبد الله النمري القرطبي ( ابن عبد البر )

194

جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله ( ط . دار الفكر )

قال حدثنا محمد بن يحيى المصري قال سمعت عبد اللّه بن وهب يقول : سئل مالك عن مسألة فأجاب فيها ، فقال له السائل : إن أهل الشام يخالفونك فيها فيقولون كذا وكذا ، فقال ومتى كان هذا الشأن بالشام ، إنما هذا الشأن وقف على أهل المدينة والكوفة . وهذا خلاف ما تقدم من قوله في أهل الكوفة وأهل العراق وخلاف المعروف عنه من تفضيله للأوزاعى وخلاف قوله في أبي حنيفة المذكور في الباب قبل هذا ، لأن شأن المسائل بالكوفة مداره على أبي حنيفة وأصحابه والثوري . قال عبد اللّه بن غانم قلت لمالك : إنا لم نكن نرى الصفرة ولا الكدرة شيئا ولا نرى ذلك إلا في الدم العبيط ، فقال مالك وهل الصفرة إلا دم ، ثم قال إن هذا البلد إنما كان العمل فيه بالنبوة وإن غيرهم إنما العمل فيهم بأمر الملوك . وهذا من قوله أيضا خلاف ما تقدم . وقد كان أهل العراق يضيفون إلى أهل المدينة أن العمل عندهم بأمر الأمراء مثل هشام بن إسماعيل المخزومي وغيره ، وهذا كله تحامل من بعضهم على بعض . وروينا أن منصور بن عمار قص يوما على الناس وأبو العتاهية حاضر فقال إنما سرق منصور هذا الكلام من رجل كوفي ، فبلغ قوله منصورا فقال أبو العتاهية زنديق أما ترونه لا يذكر في شعره الجنة ولا النار ، وإنما يذكر الموت فقط ، فبلغ ذلك أبا العتاهية فقال فيه : يا واعظ الناس قد أصبحت متّهما * إذ عبت منهم أمورا أنت تأتيها كالملبس الثوب من عرى وعورته * للناس بادية ما إن يواريها وأعظم الإثم بعد الشرك نعلمه * في كل نفس عماها عن مساويها عرفانها بعيوب الناس تبصرها * منهم ولا تبصر العيب الذي فيها فلم تمض إلا أيام يسيرة حتى مات منصور بن عمار ، فوقف أبو العتاهية على قبره وقال يغفر اللّه لك أبا السرى ما كنت رميتنى به . قال أبو عمر : قد تدبرت شعر أبى العتاهية عند جمعى له فوجدت فيه ذكر البعث والمجازاة والحساب والثواب والعقاب .