يوسف بن عبد الله النمري القرطبي ( ابن عبد البر )
68
جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله ( ط . دار الفكر )
لبعض حكماء الأوائل : أي الأشياء ينبغي للعالم أن يقتبسها ؟ قال : الأشياء التي إذا غرقت سفينته سبحت معه يعنى العلم . وقال غيره : منهم من اتخذ العلم لجاما اتخذه الناس إماما ، ومن عرف بالحكمة لاحظته العيون بالوقار . قال عبد الملك بن مروان لبنيه : يا بنىّ تعلموا العلم فإن استغنيتم كان لكم كمالا ، وإن افتكرتم كان لكم مالا . وعن أبي الدرداء أنه قال : يرزق اللّه العلم السعداء ويحرمه الأشقياء وفي رواية كميل بن زياد النخعي عن علي عليه السلام قال : العلم خير من المال ، لأن المال تحرسه والعلم يحرسك ، والمال تفنيه النفقة والعلم يزكو على الإنفاق ، والعلم حاكم والمال محكوم عليه . مات خزان المال وهم أحياء ، والعلماء باقون ما بقي الدهر ، أعيانهم مفقودة وآثارهم في القلوب موجودة . قال أبو عمر : من قول على هذا أخذ سابق البربرى قوله واللّه أعلم : موت التقى حياة لا انقطاع لها * قد مات قوم وهم في الناس أحياء قال إسماعيل بن جعفر بن سليم الهاشمي : عجبت لمن لم يكتب العلم كيف تدعوه نفسه إلى مكرمة . وأنشدنا أبو القاسم محمد بن نصر بن حامد الرومي الكاتب لنفسه في أبيات ذوات عدد : إنما العلم منحة * ليس في ذا منازع * هو للنفس لذة * وهو للقدر رافع يعرف الناس ربه * وهو ميت وشاسع * فضل الناس كلهم * فاضل فيه بارع وقال آخر : لا بارك اللّه في قوم إذا سمعوا * ذا اللب ينطق بالأمثال والحكم قالوا وليس بهم إلا نفاسته * أنافع ذا من الإفلاس والعدم