علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )
97
ثمرات الأوراق
همّة ، وتكون مراكب الأغراض والأجنحة قلوعا ، وتركب الجوّ بحرا تصفق فيه هبوب الرياح موجا مرفوعا ، وتعلّق الحاجات على أعجازها ، ولا تعوق الإرادات عن إنجازها ، ومن بلاغات البطائق استفادت ما هي مشهورة به من السّجع ، ومن رياض كتبها ألّفت الرّياض فهي إليها دائمة الرّجع ، وقد سكنت النّجوم فهي أنجم ، وأعدّت في كنانتها فهي للحاجات أسهم ، وكادت تكون ملائكة لأنها رسل وإذا أنيطت بالرّقاع ، صارت أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع ، وقد باعد اللّه بين أسفارها وقرّبها ، وجعلها طيف خيال اليقظة الذي صدق العين وما كذّبها ، وقد أخذت عهود أداء الأمانة في رقابها أطواقا ، وأدنت من أذنابها أوراقا ، وصارت خوافي من وراء الخوافي ، وأعطت سرّها المودع بكتمان سحبت عليه ذيول ريشها الضّوافي ، ترغم أنف النّوى بتقريب العهود ، وتكاد العيون بملاحظتها تلاحظ نجم السّعود ، وهي أنبياء الطيور لكثرة ما تأتي به من الأنباء ، وخطباؤها ، لأنها تقوم على منابر الأغصان مقام الخطباء . * * * ومن غريب المنقول أنّني حضرت [ في ] « 1 » بعض الليالي على جانب النيل المبارك ، في خدمة مولانا المقرّ الأشرف المرحوميّ القاضويّ النّاصريّ محمد بن البارزيّ الجهنيّ الشّافعيّ صاحب دواوين الإنشاء الشريف بالممالك الإسلامية المحروسة ، كان تغمّده اللّه تعالى بالرحمة والرضوان وبيده الكريمة جزء من تذكرة الشّيخ صلاح الدين الصّفديّ بخطّه رحمه اللّه ، وهذه الرسالة في أوّل الجزء فشرع في قراءتها ، وكرّرها مرارا وهو يترنّم في بديعها وغريبها ، ورسم في غضون « 2 » ذلك لي بمعارضتها ، فلم أجد بدّا من الشّروع في هذا الالتزام الواجب ، وأوترت قوس العزم مطمئنّا بهذا الرّأي الصّائب ، وقد أوصلت هنا شمل القطعتين ، ليتفكّه « 3 » المتأمّل في جنى الجنّتين ، ويتنزّه نظره في حدائق الرّوضتين ، ويطربه « 4 » سجع حمائم الدّوحتين . قلت : شرح فما سرح العيون إلّا دون رسالته المقبولة ، وطلب السّبق فلم يرض مفرق البرق سرجا ولا استطلى صفحته المصقولة ، وهمز جواد النّسيم فقصر ، وأمست أذياله بعرق السّحب مبلولة ، وأرسل فأقرّ الناس برسالته وكتابه المصدّق ، وانقطع كوكب الصبح خلفه فقال : عند التقصير كنت نجّابا ، وعلى يدي مخلق يؤدّي ما جاء
--> ( 1 ) تكملة من ج ، ط . ( 2 ) ط : « أثناء » . ( 3 ) ب : « يتنزه » ، ج ، ط « ليتأمل » . ( 4 ) ب ، ج ط : « ويطرب بسجع الحمائم » .