علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )

98

ثمرات الأوراق

على يده من الترسل فيهيج الأشواق ، وما برحت الحمائم تحسن الأداء في الأوراق ، وصحبناه على الهدى فقال : « ما ضلّ صاحبكم وما غوى » ، ومن روى عنه حديث الفضل المسند فعن عكرمة قد روى ، يطير مع الهواء لفرط صلاحه ، ولم يبق على السّر المصون جناح إذ دخل تحت جناحه ، إن برز من مقفصه لم يبق لطرح البرد قيمة ، بل يتغزل بتدبيج أطواقه « 1 » ، وتعلق عليه من العين تلك التّميمة ما سجن إلّا صبر على السّجن وضيق الأطواق ، ولهذا حمدت عاقبته « 2 » على الإطلاق ، ولا غنّى على عود إلا أسال دموع النّدى من حدائق الرّياض ، ولا أطلق من كبد الجوّ إلّا كان سهما مريشا تبلغ به الأغراض ، كم علا فصار بريش القوادم كالأهداب لعين الشّمس ، وأمسى عند الهبوط لعين الهلال النّعليّة كالطّمس ، فهو الطائر الميمون والغاية السبّاقة ، والأمين الذي إذا أودع أسرار الملوك حملها بطاقة ، فهو من الطيور التي خلا لها الجوّ فنقرت ما شاءت من حبّات النّجوم ، والعجماء التي من أخذ عنها شرح المعلقات فقد أعرب عن دقائق الفهوم ، والمقدمة والنتيجة لكتاب الحجلى في منطق الطّير ، وهي من جملة الكتاب الذي إذا وصل القارئ منه إلى الفتح تهلّل بفاتحة الخير ، وإن تصدّر البارزيّ بغير علم فكم جمعت بين طرفي كتابه ، وإن سألت العقبان عن بديع السّجع أحجمت عن ردّ الجواب نعم « 3 » . رعت النّسور بقوّة جيف الفلا * ورعى الذّباب الشّهد وهو ضعيف ما قدمت إلّا وأرتنا « 4 » من شمائلها اللّطيفة نعم القادمة ، وأظهرت لنا من خوافيها ما كانت له خير كاتمة ، كم أهدت من مخلقها وهي غادية رائحة ، وكم حنّت إليها الجوارح وهي أدام اللّه إطلاقها غير جارحة ، وكم أدارت من كؤوس السّجع ما هو أرقّ من قهوة الإنشاء ، وأبهج على زهر المنثور من صبح الأعشى ، وكم عامت بحور الفضاء ولم تحفل بموج الجبال ، وكم جاءت ببشارة وخضّبت الكفّ ورمت من تلك الأنملة قلامة الهلال ، وكم زاحمت النّجوم بالمناكب حتى ظفرت بكف الخضيب ، وانحدرت كأنها دمعة سقطت على خدّ الشّفق لأمر مريب ، وكم لمع في أصيل الشمس خضاب كفّها الوضّاح ، فصارت بسموّها وفرط البهجة كمشكاة فيها مصباح ، واللّه تعالى يديم بأفنان أبوابه العالية ألحان السّواجع ، ولا برح تغريدها مطربا بين البادي والراجع . * * *

--> ( 1 ) ط : « أوراقه » . ( 2 ) ط : « عواقبه » . ( 3 ) كذا في ب . وفي ط : « شعر » . ( 4 ) ط : « وأورثتنا » .