علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )
91
ثمرات الأوراق
وكان الملك المؤيّد من علماء الفقه والأدب ، والطّب والحكمة والهيئة ، ونظم « الحاوي » ، وله تاريخ بديع ، وكتاب الكناش ، وكتاب تقويم البلدان ، هذّبه وجدوله وأجاد فيه ما شاء ، وله كتاب الموازين . وكان قد رتّب للشيخ جمال الدين بن نباتة في كلّ شهر ألف درهم غير ما يتحفه به وهو مقيم بدمشق . وتوجّه الملك المؤيّد في بعض السنين إلى الدّيار المصريّة ، ومعه ابنه الملك الأفضل محمد فمرض ولده ، فجهّز إليه السّلطان الحكيم جمال الدين بن المغربيّ ، رئيس الأطباء ، فكان يجيء إليه بكرة وعشيّا ، فيراه ، ويبحث معه في مرضه ، ويقدّر له الأدوية ، ويطبخ له الشّراب بيده في دست فضّة . فقال له ابن المغربيّ : يا مولانا السّلطان ، أنت واللّه ما تحتاج للمملوك « 1 » ، وما أجيء إلّا امتثالا للأوامر الشّريفة . ولمّا عوفي أعطاه بغلة بسرج ذهب ، ولجاما وكنبوشا « 2 » مزركشا ، وبقجتين قماشا وعشرة آلاف درهم ، والدسّت الفضة ، وقال : يا رئيس ، اعذرني ، فإنّي لمّا خرجت من حماة ما حسبت مرض هذا الولد « 3 » . ومدحه شعراء زمانه وأجازهم . وبنى بظاهر حماة المحروسة جامعا حسنا ، وسمّاه جامع الدهشة ، ووقف عليه كتبا قيل إنها ما اجتمعت لغيره من سائر الفنون ؛ فإنّه اجتهد في جمعها من سائر البلاد شرقا وغربا . وتوفّي رحمه اللّه سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة ومن شعره : كم من دم حلّلت وما ندمت * تفعل ما تشتهي فلا عدمت « 4 » سمت فلو تبلغ الشّموس إلى * لثم مواطىء أقدامها لثمت * * * أبو دلف العجليّ والمنقول عن القاسم المكنّى بأبي دلف ؛ أنّه جمع بين طرفي الكرم والشّجاعة ، ولي دمشق في خلافة المعتصم ؛ فأمّا شجاعته فإنه لحق قوما من الأكراد قطعوا الطّريق ، فطعن فارسا [ طعنة ] « 4 » ، فنفذت الطّعنة إلى فارس آخر رديفه فقتلتهما ، فقال بكر بن النّطّاح : قالوا وينظم فارسين بطعنة * يوم الهياج ولا تراه كليلا « 5 »
--> ( 1 ) ط : « إلى المملوك » . ( 2 ) الكنبوش : البرذعة تجعل تحت سرج الفرس ( محيط المحيط ) . ( 3 ) الدرر الكامنة 1 / 273 . ( 4 ) فوات الوفيات 1 / 30 . ( 5 ) تاريخ بغداد 2 / 417 ، ابن خلكان 1 / 424 .