علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )
36
ثمرات الأوراق
الإمام ، وتبعه جاره الإسكاف ، فلمّا وصل إلى داره ، قال له الإمام أبو حنيفة : أترانا أضعناك ؟ قال : لا ، بل حفظت ورعيت . جزاك اللّه خيرا عن صحبة الجوار ورعايته ، وللّه عليّ ألا أشرب بعدها خمرا . فتاب من يومه ، ولم يعد إلى ما كان عليه . وممّا يناسب هذه اللطائف ما ذكره الحريري في كتابه الموسوم ب « توشيح البيان » ، نقل أنّ أحمد بن المعذّل كان يجد بأخيه عبد الصّمد وجدا عظيما ؛ على تباين طريقيهما ؛ لأنّ أحمد كان صوّاما قوّاما ، وكان عبد الصّمد سكّيرا خمّيرا « 1 » ، وكانا يسكنان دارا واحدة ، ينزل أحمد في غرفة أعلاها ، وعبد الصّمد في أسفلها . فدعا عبد الصمد ذات ليلة جماعة من ندمائه ، وأخذ في القصف والعزف حتّى منعوا أحمد الورد ، ونقضوا عليه التّهجّد . فاطّلع عليهم وقال : أَ فَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ [ النحل : 45 ] ، فرفع عبد الصمد رأسه وقال : وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ [ الأنفال : 33 ] . وذكرت بهذا الاقتباس الذي خلب القلوب هنا بحسن موقعه اقتباسا خلب قلوب الناس لعظم موقعه ، وما ذاك إلّا لأنّ الحاكم الفاطميّ - على ما ذكر - لمّا بنى المسجد الجامع بالقاهرة المعزّية المجاور لباب الفتوح قيل : إنّه فسد حاله في آخر أمره ، وادّعى الإلهية ، وكتب « بسم الحاكم الرحمن الرحيم » ، وجمع الناس إلى الإيمان به ، وبذل لهم نفائس الأموال . وكان ذلك في فصل الصّيف ، والذّباب يتراكم على الحاكم ، والخدام تدفعه ولا يندفع ، فقرأ في ذلك الوقت بعض القراء - وكان حسن الصّوت : يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [ الحج : 73 ، 74 ] . فاضطربت الأمّة لعظم وقوع هذه الآية الشّريفة في حكاية الحال ، حتّى كأنّ اللّه أنزلها تكذيبا للحاكم فيما ادّعاه . وسقط الحاكم من فوق سريره خوفا من أن يقتل ، وولّى هاربا ، وأخذ في استجلاب ذلك الرّجل إلى أن اطمأنّ إليه . فجهّزه رسولا إلى بعض الجزائر ، وأمر بإغراقه . ورئي بعد ذلك في المنام ، فقيل له : ما وجدت ؟ فقال : ما قصّر معي صاحب السفينة ، أرسى بي على باب الجنّة . ومن الاقتباسات التي وقعت للمتأخّرين في أحسن المواقع المتعلّقة بحكاية
--> ( 1 ) خمّيرا : شرّيبا للخمر دائما .