علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )

37

ثمرات الأوراق

الحال ، ما سمعته وشاهدت ، حكاية حاله بالجامع الأمويّ ، وما ذاك إلّا أنّ قاضي القضاة علاء الدين أبي البقاء الشافعيّ رحمه اللّه تعالى كان قد عزل من وظيفة قضاء القضاة بدمشق المحروسة . [ ولمّا حلّ الرّكاب الشريف الظاهريّ بدمشق المحروسة أعاده ] « 1 » إلى وظيفته ، وألبسه التشريف من قلعة دمشق وحضر إلى الجامع على العادة ، ومعه أخوه قاضي القضاة بدر الدين الشافعيّ بالدّيار المصريّة ، فاستفتح الشيخ معين الدين الضّرير المقرئ وقرأ : قالُوا يا أَبانا ما نَبْغِي هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا وَنَمِيرُ أَهْلَنا وَنَحْفَظُ أَخانا [ يوسف : 65 ] إلى آخر الآية . فحصل بالجامع الأمويّ ترنّم صفّق له النّسر بجناحيه . وروى المرزبان بإسناده أنّ المجنون خرج مع أصحاب له يمتار من وادي القرى ، فمرّ بجبلي نعمان ، فقالوا : إن هذين جبلا نعمان - وقد كانت ليلى تنزلهما - قال : فأيّ ريح تهبّ من نحو أرضها إلى هذا المكان ؟ فقالوا : الصّبا ؛ فقال : واللّه لا أبرح حتّى تهبّ الصّبا . فأقام في ناحية من الجبل ، ومضوا فامتاروا له ولهم ثم أتوا ، فحبسهم حتّى هبّت الصّبا ، ورحل معهم ، وفي ذلك يقول : أيا جبلي نعمان باللّه خلّيا * نسيم الصّبا يخلص إليّ نسيمها « 2 » أجد بردها أو تشف منّي حرارة * على كبد لم يبق إلا صميمها فإنّ الصّبا ريح إذا ما تنسّمت * على نفس مهموم تجلّت همومها « 3 » وضمّن البيت الأول الشيخ صفيّ الدين الحلّيّ في مليح اسمه نعمان : أقول وقد عانقت نعمان ليلة * بنور محيّاه أنار أديمها وقد أرسلت ألياه نحوي فسوة * يروّح كرب المستهام شميمها « أيا جبلي نعمان باللّه خلّيا * نسيم الصّبا يخلص إليّ نسيمها » وكان لابن الجوزيّ رحمه اللّه تعالى زوجة اسمها « نسيم الصّبا » ، فاتفق أنّه طلّقها ؛ فحصل له عند ذلك ندم وهيام أشرف منه على التّلف . فحضرت في بعض الأيام مجلس وعظه ، فحين رآها عرفها ، فاتّفق أن جاءت امرأتان ، وجلستا أمامه فحجبتاها عنه ، فأنشد في الحال : أيا جبلي نعمان باللّه خلّيا * نسيم الصّبا يخلص إليّ نسيمها قلت : وعلى ذكر نعمان والكناية عنه ؛ ما ألطف ما ذكره الشيخ بدر الدين

--> ( 1 ) تكلمة من ب ، ج . ( 2 ) ديوانه : 251 . ( 3 ) تجلت همومها : ذهبت وتكشفت .