علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )

306

ثمرات الأوراق

بحيلة . فقلت : يا خوند ، الطرب بأوتار العود لا يطيب إلا بشرب الخمر ، ولا بأس بأن يشرب الأمير قدحين أو ثلاثة حتى يقع الطرب في موقعه ، فقال : أنا ما لي في الخمر رغبة ، لأنه يشغلني عن مصالح ملكي ، وقد أعجبني من نبيّكم تحريمه ، ثم شرب ثلاثة أقداح كبار ، فلمّا أحمرّ وجهه أخذت عودا وغنّيته . وكان معي مغنية اسمها ضياء ، لم يكن في بغداد أحسن منها صورة ولا أطيب منها صوتا ، فأصلحت أنغام العود ، وضربت ضروبا جالبة للنوم ، مع زمر رخيم الصوت ، وغنّيت ، فلم أتم النوبة حتى رأيته قد نعس ، فقطعت الغناء بغتة ، وقوّيت ضرب الأوتار ، فانتبه ، فقبّلت الأرض وقلت : نام الملك . فقال : صدقت ، نمت ، تمنّ عليّ ، فقلت : أتمنى على الملك أن يطلق لي على السمكية ، قال : وأيّ شيء هي السمكية ؟ قلت : بستان الخليفة . فتبسم وقال لأصحابه : هذا مسكين ، مغنّ قصير الهّمة . وقال للتّرجمان : قل له : لم لا تمنّيت قلعة أو مدينة ؟ أيّ شيء هذا البستان ! فقبّلت الأرض وقلت : يا ملك العالم ، هذا البستان يكفيني ، وأنا ما يجيء مني صاحب قلعة ولا صاحب مدينة . فرسم لي بالبستان وبجميع ما كان لي من الرتب في أيام الخليفة ، وزادني علوفة تشتمل على خبز ولحم وعليق دوابّ تساوي دينارين ، وكتب بذلك فرمانا مكمل العلائم ، وخرجت من بين يديه ، وأخذ لي نانونوبن أمرا بخمسين فارسا ، ومعهم علم أسود . وهو كان علم هولاكو الخاص به ، برسم حماية داري ؛ فجلس الأمير على باب الدرب ، ونصب العلم الأسود على أعلى باب الدرب ، فبقي الأمر كذلك إلى أن رحل هولاكو عن بغداد . قال الأربلي : فقلت له : كم نابك من المغارم في الثانية ؟ قال : أكثر من ستين ألف دينار وذهب أكثرها ممن كان انزوى إلى دربي من ذوي اليسار ، والباقي من نعم موفرة كانت عندي من صدقات الخليفة . فسألته عن المرتب والبستان . فقال : البستان أخذه مني أولاد الخليفة وقالوا هذا من إرث أبينا ، والعلوفة قطعها عني الصاحب شمس الدين الجويني ، وعوّضني عنها وعن البستان في السنة مائة ألف درهم . * * * المغنّي الغيور وقال : كان بمدينة السلام مغنّ يعرف بالغيور ، وكان عنده من الجواري عدد كثير ذوات حسن ، وكان خبره فاشيا ، يقصده المتصوّف وغيره ؛ فبلغ رجلا من الكتّاب المشهورين خبره ، فتشوقت نفسه إلى قصده ، ثم تجنّبه لمّا شهر به ، فحمل نفسه على أن جعل بينه وبين الرجل حالا ، بأن دعاه وبرّه ووصله . وكان قصد الناس منزله آثر عندهم من دعاء من يدعونه من جواريه لما يجتمع لهم فيه .