علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )
307
ثمرات الأوراق
قال الكاتب : فكان يسألني المصير إليه ، وأقشعر لشناعة لقبه ، إلى أن لقيني بالقرب من منزله ، فحلف عليّ ألّا أفارقه ، فكأنّ ذلك صادف مني موافقة ؛ فمضيت معه ، فرأيت أحسن منزل وآلة ؛ فلمّا استقرّ بنا الجلوس ، قال لغلماني : إذا كان في غد بكّروا فجيئوا بالدوابّ ؛ فاستوحشت وقلت : بلى يقيم بعضهم عندي ، ويعود الباقون ليلا للانصراف إلى منزلي . فأبى وحلف ، فاتّبعت ما أراد . فأحضر أحسن طعام وألطفه ، فأكلنا ، وأتى بأنواع الأشربة والفواكه والرياحين ، وأخذنا في أمرنا ، وخرجت وجوه كالشموس ، وكنت عند دخولي إلى الدار قد رأيت على بعض الأبواب طبلا معلّقا ، فظننته لبعض الجواري ، فلم أسأل عنه ؛ فلمّا صرنا على حالنا وأخذ النبيذ منا ، أحضر عمودا فجعله بين يديه ، فأوحشني جدّا ، وقلت : رجل غيور كما لقّب ، وجوار حسان ، ونبيذ شديد ، ولست آمن أن أعبث بهنّ فيضربني بالعمود ، قال : أخبرك يا أخي ، إني رجل غيور كما قد بلغك ، ويحضر منزلي قوم معهم سوء أدب ، فما هو أن تغني الجارية ، حتى أرى الواحد منهم قد لاحظها وضحك في وجهها ، وضحكت في وجهه ، فأقول : أقوم بهذا العمود ، فإنما هي ضربة له وضربة لها فأقتلهما وأستريح ، إلا أني على ما ترى ، رجل معي تأنّ شديد ، فأقول : شرب الرجل فسرّ وضحك ، ولعله بعد يعرفها وتعرفه ، فضحكت إليه وضحك إليها . قال : فلمّا ذكر هذا الحديث طابت نفسي ، وأصغيت إلى حديثه فقلت : ثم ماذا ؟ قال : ثم إن الأمر يزيد حتى أراه قد دنا فسارّها وسارّته ، فتقوم عليّ القيامة وأقول : ضحك إليها وضحكت إليه للمعرفة ، فما وضع السرّ ! ثم أهم بالعمود ، والتأنيّ الذي فيّ يقول : لعله طالبها بصوت تغنيه ، فأمسك ، فيطول الأمر حتى أرى الواحدة قد قامت ، وقام الرجل في أثرها فيدخلان ذلك البيت ، وبابه وثيق جدّا ، فأسعى خلفهما بهذا العمود لأقتلهما البتة ، فيسبقاني فيغلقان الباب وأبقى أنا خارجه ، وأنا غيور كما قد علمت ، فأقول : متى علمت حركتهما مت أو قتلت نفسي ، فلا يكون واللّه يا أخي لي اعتصام إلا بذلك الطبل المعلق ، فأتناوله وأضعه في عنقي ، فلا أزال أضرب أبدا حتى يخرجا . قال : فما قمت واللّه وأنا ما أرى أوفى منه قولا وفعلا . * * * جميلة الموصلية في حجّها قال صلاح الدين الصفدي في الجزء الخامس والثلاثين من التذكرة ، ومن خطّة نقلت : حجّت جميلة الموصلية بنت ناصر الدولة أبي محمد بن حمدان أخت أبي ثعلب سنة ست وثمانين وثلاثمائة ه ، فسقت أهل الموسم كلّهم السويق بالطبرزد والثلج ،