علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )

305

ثمرات الأوراق

ما قيمته عشرون ألف دينار ، وقدمت له في اليوم الثالث لآلىء نفيسة وجواهر ثمينة ، وبغلة جليلة بآلات خليفية ، وقلت : هذه من مراكب الخليفة . وقدّمت لجميع من معه وقلت : هذا الدرب صار بحكمك ، وإن تصدقت على أهله بأرواحهم فسيكون لك وجه أبيض عند اللّه وعند الناس ، فما بقي عندهم سوى أرواحهم ، فقال : قد عرفت ذلك ، من أول يوم وهبتهم أرواحهم ، وما حدثتني نفسي بقتلهم ولا سلبهم ، لكن أنت تجهز معي إلى حضرة الأمير ، فقد ذكرتك وقدّمت له شيئا من المستظرفات التي قدّمتها إليّ ، فأعجبته ، ورسم بحضورك . فخفت على نفسي وعلى أهل الدرب ، وقلت : هذا يخرجني إلى خارج بغداد ، ويقتلني وينهب الدرب ، فظهر عليّ الخوف وقلت : يا خوند « 1 » هولاكو ملك كبير ، وأنا رجل حقير ، مغنّ ، أخشى منه ومن هيبته . فقال : لا تخف ، ما يصيبك إلا الخير ، فإنه رجل يحب أهل الفضائل . فقلت : في ضمانك أنه لا يصيبني مكروه ؟ قال : نعم . فقلت لأهل الدرب : ما عندكم من النفائس فأتوني بكل ما تقدرون عليه . فأخذت معي من الذهب والفضة ، وهيأت مآكل كثيرة طيبة ، وشرابا كثيرا عتيقا فائقا ، وأواني فاخرة كلها من الفضة المنقوشة والذهب ، وأخذت معي ثلاث جوار مغنيات من أجلّ ما كان عندي وأنفسهنّ للضرب ، ولبست بدلة من القماش الخليفي ، وركبت بغلة جليلة كنت أركبها إذا رحت إلى الخليفة . فلمّا رآني نانونوبن بهذه الحالة ، قال لي : أنت وزير ؟ قلت : لا ، أنا مغنّي الخليفة ونديمه ، ولكني لمّا خفت منك لبست القماش الوسخ ، ولمّا صرت من رعيتك أظهرت نعمتي وأمنت ، وهذا الملك هولاكو ملك عظيم ، وهو أعظم من الخليفة ، فما ينبغي أن أدخل عليه إلا بالحشمة والوقار ، فأعجبه مني هذا وخرجت معه إلى مخيّم هولاكو ، فدخل عليه وأدخلني معه ، وقال لهولاكو : هذا الرجل الذي ذكرته لك - وأشار إليّ . فلمّا وقعت عين هولاكو عليّ قبّلت الأرض وجلست على ركبتيّ كما هو في عادة التتار . فقال نانونوبن : هذا كان مغنّي الخليفة وقد فعل معي كذا وكذا وقد أتاك بهدية . فقال : قد قبلتها ؛ فقبّلت الأرض مرة ثانية ، ودعوت له ، وقدّمت له ولخواصه الهدايا التي كانت معي ، فكلّما قدّمت شيئا منها يفرّقه ، ثم فعل بالمأكول كذلك ، ثم قال لي : أنت مغنّي الخليفة ؟ فقلت : نعم ، فقال : أيّ شيء أجود ما تعرف ؟ قلت : أحسن أن أغنّي غناء إذا سمعه الإنسان ينام ، فقال : غنّ لي الساعة حتى أنام ، فندمت وقلت : إن غنيت له ولم ينم قال : هذا كذاب ، وربّما قتلني ، ولا بدّ من الخلاص منه

--> ( 1 ) خوند لفظ تركي ، معناه السيد أو الأمير .