علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )
304
ثمرات الأوراق
محلّة أو محلّتين أو سوقين باسم أمير كبير ، فوقع الدرب الّذي أسكنه في حصة أمير مقدم على عشرة آلاف فارس اسمه « نانونوبن » . وكان هولاكو قد رسم لبعض الأمراء أن يقتل ويأسر وينهب مدة ثلاثة أيام ، ولبعضهم يومين ، ولبعضهم يوما واحدا ، على حسب طبقتهم . فلمّا دخل الأمراء إلى بغداد كان أول درب جاء إليه الأمير الدرب الذي أنا ساكنه ، وقد اجتمع فيه خلق كثير من ذوي اليسار ، واجتمع عندي نحو خمسين جارية من أرباب المغاني وذوات الحسن والجمال ، فوقف نانونوبن على باب الدرب وهو متترّس بالأخشاب والتراب ، وطوّقوا الباب وقالوا : افتحوا لنا وادخلوا في الطاعة ولكم الأمان ، وإلّا أحرقنا الباب وقتلناكم . ومعه النجارون وخلافهم وأصحابه بالسلاح . قال صفي الدين عبد المؤمن : فقلت السمع والطاعة ، أنا أخرج إليه . ففتحت الباب وخرجت إليه وحدي ، وعليّ أثواب وسخة وأنا أنتظر الموت ، فقبّلت الأرض بين يديه ، فقال الترجمان : قل له : أنت كبير هذا الدرب ؟ فقلت : نعم ، فقال : إن أردتم السلامة من الموت فاحملوا لنا كذا وكذا ، وطلب شيئا كثيرا . فقبّلت الأرض مرة ثانية وقلت : كلّ ما طلبه الأمير يحضر ، وصار كل ما في هذا الدرب بحكمك ومن تريد من خواصّك ، فانزل لأجمع لك كلّ ما طلبت . فشاور أصحابه ، ونزل في نحو ثلاثين رجلا من خواصه فأتيت به داري ، وفرشت له الفرش الخليفية الفاخرة ، والسرر المطرّزة بالزركش ، وأحضرت له في الحال أطعمة فاخرة وشواء وحلواء وجعلتها بين يديه ، فلمّا فرغ من الأكل عملت له مجلسا ملوكيا ، وأحضرت الأواني الذهبية من الزجاج الحلبي وأواني فضة فيها شراب مروّق ، فلمّا دارت الأقداح وسكر قليلا ، أحضرت عشر مغنيات كل واحدة تغنّي بملهاة غير ملهاة الأخرى ، فغنّين كلّهن . فارتجّ المجلس ، وطرب ، وانبسطت نفسه ، فلمّا كان وقت العصر ، وحضر أصحابه بالنهب والسبايا ، قدمت له ولأصحابه الذين كانوا معه تحفا جليلة من أواني الذهب والفضة ومن النّقد ومن الأقمشة الفاخرة شيئا كثيرا ، سوى العليق ، ووهبت له الغواني اللاتي كنّ بين يديه ، واعتذرت من التقصير ، وقلت : جاء الأمير على غفلة ، لكن غدا إن شاء اللّه تعالى أعمل للأمير دعوة أحسن من هذه . فركب وقبّلت ركابه ورجعت ، فجمعت أهل الدرب من ذوي النعمة واليسار ، وقلت لهم : انظروا لأنفسكم ، هذا الرجل غدا عندي وكذا بعد غد ، وكل يوم أزيد أضعاف اليوم المتقدم ، فجمعوا إليّ من بينهم ما يساوي خمسين ألف دينار من أنواع الذهب والأقمشة الفاخرة والسلاح ، فما طلعت الشمس إلا وقد وافاني ، فرأى ما أذهله ؛ وجاء في هذا اليوم ومعه نساؤه ، فقدّمت له ولنسائه من الذخائر والذهب النقد