علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )
300
ثمرات الأوراق
بعض غلماني . فقالوا : هذا منارة ، رسول أمير المؤمنين إلى صاحبكم ، فلمّا صرت في صحن الدار نزلت ودخلت مجلسا رأيت فيه قوما جلوسا ، فظننت أن الرجل فيهم ، فقاموا ورحبّوا بي ، فقلت : أفيكم فلان ؟ قالوا : لا ، نحن أولاده وهو في الحمام ، فقلت : استعجلوه ؛ فمضى بعضهم يستعجله ، وأنا أتفقّد الدار والأحوال والحاشية ، فوجدتها قد ماجت بأهلها موجا شديدا ، فلم أزل كذلك حتى خرج الرجل بعد أن طال واستربت به ، واشتدّ قلقي وخوفي من أن يتوارى . إلى أن رأيت شيخا بزي الحمّام يمشي في الصحن وحواليه جماعة كهول وأحداث وصبيان ، وهم أولاده وغلمانه ، فعلمت أنه الرجل . فجاء حتى جلس ، فسلّم عليّ سلاما خفيّا ، وسألني عن أمير المؤمنين واستقامة أمر حضرته ، فأخبرته كما وجب ؛ وما قضى كلامه حتى جاؤوا بأطباق فاكهة ، فقال : تقدّم يا منارة فكل معنا . فقلت : ما لي إلى ذلك من حاجة ، فلم يعاودني ؛ وأقبل يأكل هو ومن عنده ، ثم غسل يديه ودعا بالطعام ، فجاؤوا بمائدة عظيمة لم أر مثلها إلا للخليفة ، فقال : تقدّم يا منارة ساعدنا على الأكل ، لا يزيدني على أن يدعوني باسمي كما يدعوني الخليفة . فامتنعت عليه ، فما عاودني ، وأكل هو ومن عنده ، وكانوا تسعة من أولاده ، فتأمّلت أكله في نفسه فوجدته أكل الملوك ، ووجدت جأشه رابطا ، وذلك الاضطراب الذي في داره قد سكن ؛ ووجدتهم لا يرفعون من بين يديه شيئا قد وضع على المائدة إلا نهبا . وقد كان غلمانه أخذوا لمّا نزلت الدار جمالي وجميع غلماني بالمنع من الدخول ، فما أطاقوا ممانعتهم ، وبقيت وحدي ليس بين يديّ إلا خمسة أو ستة غلمان وقوف على رأسي . فقلت في نفسي : هذا جبار عنيد ، وإن امتنع عليّ من الشخوص لم أطق إشخاصه بنفسي ولا بمن معي ، ولا أطيق حفظه إلى أن يلحقني أمير البلد . فجزعت جزعا شديدا ورابني منه استخفافه بي في الأكل ، ولا يسألني عما جئت به ، ويأكل مطمئنا وأنا مفكر في ذلك . فلمّا فرغ من أكله وغسل يديه دعا ببخور فتبخّر ، وقام إلى الصلاة فصلّى الظهر وأكثر من الدعاء والابتهال ، فرأيت صلاته حسنة . فلمّا انفتل من المحراب أقبل عليّ وقال : ما أقدمك يا منارة ؟ فقلت : أمر لك من أمير المؤمنين ، وأخرجت الكتاب ودفعته إليه فقرأه . فلمّا استتمّ قراءته دعا أولاده وحاشيته ، فاجتمع منهم خلق كثير ، فلم أشكّ أنه يريد أن يوقع بي . فلمّا تكاملوا ابتدأ ، فحلف أيمانا غليظة فيها الطلاق والعتاق والحج ، وأمرهم أن ينصرفوا ويدخلوا منازلهم ، ولا يجتمع منهم اثنان في مكان واحد ، ولا يظهروا إلى أن يظهر لهم أمر يعملون عليه ، وقال : هذا كتاب أمير المؤمنين يأمرني بالتوجه إليه ،