علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )

301

ثمرات الأوراق

ولست أقيم بعد نظري فيه لحظة واحدة ، فاستوصوا بمن ورائي من الحرم خيرا ، وما بي حاجة من أن يصحبني غلام . هات أقيادك يا منارة ، فدعوت بها : وكانت في سفط ، وأحضرت حدّادا ، فمدّ ساقيه فقيّدته وأمرت غلماني بحمله في المحمل ، وركبت في الشقّ الآخر . وسرت من وقتي ولم ألق أمير البلد ولا غيره ، فسرت بالرجل ليس معه أحد ؛ إلى أن صرنا بظاهر دمشق ، فابتدأ يحدّثني بانبساط حتى انتهيت إلى بستان حسن في الغوطة فقال لي : ترى هذا ؟ قلت : نعم . قال : إنه لي ، وقال إن فيه من غرائب الأشجار كيت وكيت . ثم انتهى إلى آخر فقال لي مثل ذلك ، ثم انتهى إلى مزارع حسان وقرى سنية وقال : هذه لي . فاشتدّ غيظي منه ، فقلت له : اعلم أني شديد التعجّب منك ، قال : ولم تعجب ؟ قلت : أليس تعلم أن أمير المؤمنين قد أهمّه أمرك حتى أرسل إليك من انتزعك من بين أهلك ومالك وولدك ، وأخرجك عن جميع ما لك فريدا وحيدا مقيّدا إلى ما يصير إليه أمرك ، ولم تدر كيف يكون ؟ وأنت فارغ القلب من هذا ، تصف ضياعك وبساتينك ! هذا وقد رأيتك وقد جئت وأنت لا تعلم فيم جئت وأنت ساكن القلب ، قليل الفكر . لقد كنت عندي شيخا فاضلا . فقال لي مجيبا : إنا للّه وإنا إليه الراجعون . أخطأت فراستي فيك ، ظننتك رجلا كامل العقل ، وأنك ما حللت من الخلفاء هذا المحلّ إلا بعد أن عرفوك بذلك ، فأنا واللّه رأيت عقلك وكلامك يشبه كلام العوامّ وعقلهم واللّه المستعان . أما قولك في أمير المؤمنين وإزعاجه وإخراجه إياي إلى بابه على صورتي هذه فأنا على ثقة من اللّه عزّ وجلّ الّذي بيده ناصيتي ، ولا يملك أمير المؤمنين لنفسه ولا لغيره نفعا ولا ضرّا إلا بإذن اللّه ومشيئته ، ولا ذنب لي عند أمير المؤمنين أخافه . وبعد فإذا عرف أمري وعلم سلامتي وصلاحي وبعد ناحيتي ، وأنّ الحسدة والأعداء رموني عنده بما ليس فيّ ، وتقوّلوا عليّ الأباطيل الكاذبة ، لم يستحلّ دمي ، وتحلّل من أذاي وإزعاجي ، وردّني مكرّما ، أو أقامني ببابه معظّما . وإن كان سبق في علم اللّه عزّ وجلّ أنه يبدر إليّ منه بادرة سوء ، وقد حضر أجلي ، وكان سفك دمي على يده ، فلو اجتمعت الإنس والجنّ والملائكة وأهل الأرض وأهل السماء على صرف ذلك عني ما استطاعوه . فلم أتعجّل الغمّ وأتسلّف الفكر فيما قد فرغ اللّه منه ! وأني حسن الظن باللّه عزّ وجلّ الذي خلق ورزق وأحيا وأمات وأحسن وأجمل ، وأنّ الصبر والرضا والتفويض والتسليم إلى من يملك الدنيا والآخرة أولى ، وقد كنت أحسب أنك تعرف هذا ، فإذ قد عرفت مبلغ فهمك ، فإني لا أكلمك بكلمة واحدة حتى تفرّق حضرة أمير المؤمنين بيننا إن شاء اللّه تعالى . قال : ثم أعرض عنّي ، فما سمعت منه لفظة غير القرآن والتسبيح ، أو حاجة أو ما يجري مجراها . حتى شارفنا الكوفة في اليوم الثالث عشر بعد الظهر ، والنّجب قد