علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )
295
ثمرات الأوراق
فأجابني : مت حتف أنفك واعلمن * أن الهوى لهو الهوان الحاضر قال عبد اللّه : فنهضت عند ابتدائه بالأبيات أؤمّ الصوت ، فما انتهى إلى آخرها إلا وأنا عنده ، فرأيت غلاما جميلا قد نزل عذاره ، لكن قد علا محاسنه الأصفرار ، والدموع تجري على خدّه كالأمطار ، فقال : نعمت ظلاما ، من الرجل ؟ قلت : عبد اللّه بن معمر القيسي ، فقال : ألك حاجة . يا فتى ؟ قلت : إني كنت جالسا في الرّوضة فما راعني في هذه الليلة إلا صوتك ، فبنفسي أقيك ، وبروحي أفديك ، وبمالي أواسيك ، ما الذي تجد ؟ قال : إن كان ولا بد فاجلس . فجلست ، فقال : أنا عتبة بن الحباب بن المنذر بن الجموح الأنصاري ، غدوت إلى مسجد الأحزاب ، ولم أزل فيه راكعا ساجدا ، ثم اعتزلت غير بعيد ، فإذا نسوة يتهادين كأنهنّ القطا ، وفي وسطهنّ جارية بديعة الجمال في نشرها ، بارعة الكمال في عصرها ، نورها ساطع يتشعشع ، وطيبها عاطر يتضوّع ، فوقفت عليّ وقالت : يا عتبة ، ما تقول في وصل من طلب وصلك ؟ ثم تركتني وذهبت ، فلم أسمع لها خبرا ، ولا قفوت لها أثرا ، فأنا حيران انتقل من مكان إلى مكان . ثم صرخ صرخة عظيمة وأكبّ على الأرض مغشيّا عليه ، ثم أفاق بعد ساعة ، وكأنما صبغت ديباجة خدّه بورس ، وأنشد يقول : أراك بقلبي من بلاد بعيدة * ترى كم تروني بالقلوب على بعد فؤادي وطرفي يأسفان عليكم * وعندكم روحي وذكركم عندي ولست ألذّ العيش حتى أراكم * ولو كنت في الفردوس أو جنة الخلد قال : فقلت : يا أخي ، تب إلى ربك ، واستقل من ذنبك ، واتّق هول المطلع ، وسوء المضجع ، فقال : هيهات ! ما أنا مبال حتى يكون ما يكون . ولم أزل به إلى طلوع الصباح ، فقلت له : قم بنا إلى مسجد الأحزاب فلعلّ اللّه أن يكشف عنك ما بك ، قال : أرجو ذلك ببركة طلعتك إن شاء اللّه . فنزلنا إلى أن وردنا مسجد الأحزاب فسمعته يقول : يا للرّجال ليوم الأربعاء أما * ينفكّ يحدث لي بعد النّهى طربا ما إن يزال غزال فيه يظلمني * يهوى إلى مسجد الأحزاب منتقبا يخمّن الناس أن الأجر همته * وما أنا طالبا للأجر مكتسبا ولو كان يبغي ثوابا ما أتى ظهرا * مضمّخا بفتيت المسك مختضبا