علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )
296
ثمرات الأوراق
فجلسنا ثمّ حتى صليّنا به الظهر ، فإذا النسوة أقبلن وما الجارية بينهنّ فلمّا بصرن به قلن : يا عتبة ، وما ظنّك بطالبة وصالك ، وكاسفة بالك ؟ قال : ومالها ؟ قلن : قد أخذها أبوها وارتحل بها إلى السماوة . فسألتهنّ عن الجارية فقلن : هي : ريّا ابنة الغطريف السّلمي . فرفع الشاب رأسه إليهنّ ، وأنشد يقول : خليليّ ريّا قد أجدّ بكورها * وسار إلى أرض السماوة عيرها خليليّ ما تقضي به أمّ مالك * عليّ فما يعدو عليّ أميرها خليليّ إني قد خشيت من البكا * فهل عند غيري مقلة أستعيرها ؟ فقلت : يا عتبة ، طب قلبا ، وقرّ عينا ، فقد وردت الحجاز بمال جزيل وطرف وتحف وقماش ومتاع أريد به أهل السفر ، وو اللّه لأبذلنّه أمامك وبين يديك وفيك وعليك ، حتى أوصّلك إلى المنى ، وأعطيك الرضا وفوق الرضا . فقم بنا إلى مجلس الأنصار . فقمنا حتى أشرفنا على ناديهم ، فسلّمت فأحسنوا الرّدّ ، ثم قلت : أيها الملأ الكرام ، ما تقولون في عتبة وأبيه ؟ قالوا : خيّران من سادات العرب . قلت : فإنه قد رمى بفؤاده الجوى وما أريد منكم إلا المعونة . فركبنا وركب القوم حتى أشرفنا على منازل بني سليم من السّماوة ، فقلنا : أين منزل الغطريف ؟ فخرج بنفسه مبادرا ، فاستقبلنا استقبال الكرام ، وقال : حيّيتم بالإكرام والرّحب والإنعام ، قلنا : وأنت حيّيت ثم حيّيت . أتيناك أضيافا ، قال : نزلتم أفضل معقل ، ثم نادى : يا معشر العبيد ، أنزلوا القوم وسارعوا إلى الإكرام . ففرشت في الحال الأنطاع والنمارق والزرابيّ . فنزلنا وأرحنا ، ثم ذبحت الذبائح ، ونحرت النحائر ، وقدّمت الموائد : فقلنا : يا سيّد القوم ، لسنا بذائقين لك طعاما أو تقضي حاجتنا ، وتردّنا بمسرتنا . قال : وما حاجتكم أيها السادة ؟ قلنا : نخطب عقيلتك الكريمة لعتبة بن الحباب بن المنذر ، الطّيب العنصر ، العالي المفخر . فأطرق وقال : يا إخوتاه ، إن التي تخطبونها ، أمرها إلى نفسها ، وها أنا داخل إليها أخبرها . ثم نهض مغضبا ، فدخل على ريّا - وكانت كاسمها - فقالت : يا أبتاه ، إني أرى الغضب بيّنا عليك ، فما الخبر ؟ قال لها : ورد الأنصار يخطبونك منّي ، قالت : سادات كرام ، وأبطال عظام ، استغفر لهم النبي صلى اللّه عليه وسلم ؛ فلمن الخطبة منهم ؟ قال : لفتى يعرف بعتبة بن الحباب قالت : باللّه لقد سمعت عن عتبة هذا ؛ أنه يفي بما وعد ، ويدرك إذا قصد ، ويأكل ما وجد ، ولا يأسف على ما فقد ، قال الغطريف : أقسم باللّه لا أزوّجك به أبدا ؛ فقد نمي إليّ بعض حديثك معه . فقالت : ما كان ذلك ، ولكن إذ أقسمت فإن