علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )

292

ثمرات الأوراق

فإن خير البرّ تعجيله . فانصرف معن بالمال للرجل وقال له : خذ صلتك والحق بأهلك ، وإياك ومخالفة خلفاء اللّه في أمورهم . * * * نادرة يرويها الجاحظ حكى الجاحظ قال : أخبرني فتى من أصحاب الحديث ، قال : دخلت ديرا في بعض المنازل لما ذكر لي أن به راهبا حسن المعرفة بأخبار الناس وأيّامهم ، فصرت له لأسمع كلامه ، فوجدته في حجرة معتزلة بالدير ، وهو على أحسن هيئة في زيّ المسلمين ، فكلمته فوجدت عنده من المعرفة أكثر ممّا وصفوا . فسألت عن سبب إسلامه ، فحدّثني أن جارية من بنات الروم كانت في هذا الدير ، نصرانية كثيرة المال ، بارعة الجمال ، عديمة الشكل والمثال ، فأحبّت غلاما مسلما خياطا ، وكانت تبذل له مالها ونفسها ، والغلام يعرض عن ذلك ، ولا يلتفت إليها ، وامتنع عن المرور بالدير . فلمّا أعيتها الحيلة فيه ، طلبت رجلا ماهرا في التصوير ، وأعطته مائة دينار ، على أن يصوّر لها صورة الغلام في دائرة على شكله وهيئته . ففعل المصوّر ، فلم تخطئ الصورة شيئا منه غير النطق ، وأتى بها إلى الجارية ، فلمّا أبصرتها أغمي عليها . فلمّا أفاقت أعطت المصور مائة دينار أخرى ، وأخرج الراهب لي الصورة فرأيتها ، فكاد أن يزلّ عقلي . فلمّا خلت الجارية بالصورة ، رفعتها إلى حائط حجرتها ، وما زالت كل يوم تأتي الصورة وتقبّلها وتلثم ما تحب منها ، ثم تجلس بين يديها وتبكي ، فإذا أمست قبّلتها وانصرفتّ . فما زالت على تلك الحال شهرا ، فمرض الغلام ومات ، فعملت الجارية مأتما وعزاء سار ذكره في الآفاق وصارت مثلا بين الناس . ثم رجعت إلى الصورة وصارت تلثمها وتقبّلها إلى أن أمست فماتت إلى جانبها . فلمّا أصبحنا ، دخلنا عليها لنأخذ من خاطرها ، فوجدناها ميتة ويدها ممدودة إلى الحائط نحو الصورة وقد كتب عليه هذه الأبيات : يا موت حسبك نفسي بعد سيّدها * خذها إليك فقد أودت بما فيها أسلمت وجهي إلى الرّحمن مسلمة * ومتّ موت حبيب كان يعصيها لعلّها في جنان الخلد يجمعها * بمن تحب غدا في البعث باريها مات الحبيب وماتت بعده كمدا * محبة لم تزل تشقي محبّيها قال الراهب : فشاع الخبر وحملها المسلمون ودفنت إلى جانب قبر الغلام . فلمّا أصبحنا دخلنا حجرتها فرأينا تحت شعرها مكتوبا : أصبحت في راحة ممّا جنته يدي * وصرت جارة ربّ واحد صمد