علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )
279
ثمرات الأوراق
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وصلّى اللّه على سيدنا محمد وآله . الرشيد وغادر جارية الهادي يحكى أن هارون الرشيد حجّ ماشيا ، وأنّ سبب ذلك أن أخاه موسى الهادي كانت له جارية تسمّى غادر ، وكانت أحظى الناس عنده ، وكانت من أحسن الناس وجها وغناء ، فغنّت يوما وهو مع جلسائه على الشراب ، إذ عرض له سهو وفكّر ، وتغيّر لونه وقطع الشراب ، فقال الجلساء : ما شأنك يا أمير المؤمنين ؟ قال : قد وقع في قلبي أنّ جاريتي غادر يتزوّجها أخي هارون بعدي ؛ فقالوا : يطيل اللّه بقاء أمير المؤمنين ، وكلّنا فداؤه ، فقال : ما يزيل هذا ما في نفسي . وأمر بإحضار هارون وعرّفه ما خطر بباله ، فاستعطفه ، وتكلّم بما ينبغي أن يتكلم به في تطييب نفسه ، فلم يقنع بذلك ، وقال : لا بدّ أن تحلف لي . قال : أفعل ، وحلف له بكلّ يمين يحلف بها النّاس من طلاق وعتاق وحجّ وصدقة وأشياء مؤكدة . فسكن ؛ ثم قام فدخل على الجارية ، فأحلفها بمثل ذلك ، ولم يلبث إلا شهرا ثم مات . فلمّا أفضت الخلافة إلى هارون أرسل إلى الجارية يخطبها ، فقالت : يا سيدي كيف بأيمانك وأيماني ! فقال : أحلف بكلّ شيء حلفت به من الصدقة والعتق وغيرهما إلا تزوّجتك ؛ فتزوّجها وحجّ ماشيا ليمينه ، وشغف بها أكثر من أخيه ؛ حتى كانت تنام ، فيضجع رأسها في حجره ولا يتحرك حتى تنتبه . فبينما هي ذات ليلة نائمة ؛ إذ انتبهت فزعة ، فقال لها : مالك ؟ قالت : رأيت أخاك في المنام الساعة وهو يقول : أخلفت وعدك بعد ما * جاورت سكّان المقابر ونسيتني وحنثت في * أيمانك الكذب الفواجر فظللت في أهل البلى * وغدوت في الحور الغرائر ونكحت غادرة أخي * صدق الذي سمّاك غادر لا يهنك الإلف الجديد * ولا تدر عنك الدوائر