علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )
204
ثمرات الأوراق
لماذا تتقدم ؟ قال : نعم . قال فما يعجلك ؟ قال أوثر أصحابي بحياة ساعة . فتحير السياف ، ونمي الخبر إلى الخليفة فردّهم إلى القاضي ليعرف أحوالهم ، فألقى القاضي على أبي الحسن الثوريّ مسائل فقهية . فأجاب عن الكلّ ، ثم أخذ يقول : إنّ للّه عبادا إذا قاموا قاموا للّه ، وإذا نطقوا نطقوا باللّه . وسرد ألفاظا حتى بكى القاضي فأرسل إلى الخليفة يقول : إن كان هؤلاء زنادقة فما على وجه الأرض مسلم . فأكرمهم وأطلقهم « 1 » . * * * المعتصم وتميم بن جميل ومن المرويّ عن أحمد بن أبي دؤاد القاضي أنه قال : ما رأيت رجلا عرض على الموت ، فلم يكترث به إلا تميم بن جميل الخارجيّ ، كان قد خرج على المعتصم ، ورأيته قد جيء به أسيرا ، فأدخل عليه في يوم موكب ، وقد جلس المعتصم للناس مجلسا عامّا ، ودعا بالسيف والنّطع . فلمّا مثل بين يديه ، نظر إليه المعتصم فأعجبه شكله وقدّه ، ورآه يمشي إلى الموت غير مكترث به ، فأطال الفكر فيه ، ثم استنطقه لينظر في عقله وبلاغته ، فقال : يا تميم : إن كان لك عذر فأت به . فقال : أما إذ أذن أمير المؤمنين - جبّر اللّه به صدع الدين ، ولمّ شعث المسلمين وأخمد شهاب الباطل ، وأنار سبل الحق - فالذنوب يا أمير المؤمنين تخرس الألسن ، وتصدع الأفئدة ، وأيم اللّه ، لقد عظمت الجريرة ، وانقطعت الحجة . وساء الظن ، ولم يبق إلا العفو ، وهو الأليق بشيمك الظاهرة ، ثم أنشد : أرى الموت بين السيف والنّطع كامنا * يلاحظني من حيث لا أتلفّت وأكبر ظنيّ أنّك اليوم قاتلي * وأيّ امرئ مما قضى اللّه يفلت ومن ذا الذي يأتي بعذر وحجّة * وسيف المنايا بين عينيه مصلت وما جزعي من أن أموت وإنّني * لأعلم أنّ الموت شيء مؤقّت ولكنّ خلفي صبية قد تركتهم * وقد لطموا تلك الخدود وصوّتوا فإن عشت عاشوا سالمين بغبطة * أذود الرّدى عنهم وإن متّ موّتوا وكم قائل لا يبعد اللّه داره * وآخر جذلان يسرّ ويشمت قال : فبكى المعتصم حتى ابتلّت لحيته ، وقال : إنّ من البيان لسحرا ، ثم قال : كاد يسبق السّيف العذل ، وقد وهبتك للّه ، ولصبيتك . وأعطاه خمسين ألف درهم « 2 » .
--> ( 1 ) المستجاد : 43 ، 44 . ( 2 ) الخبر في الفرج بعد الشدة 2 / 77 ، 78 .