علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )

205

ثمرات الأوراق

سماحة غسان بن عباده ومن لطائف المنقول من المستجاد « 1 » أنّه كان بين غسّان بن عبادة ، وبين عليّ بن عيسى القمّي عداوة عظيمة وكان عليّ بن عيسى ضامنا أعمال الخراج والضّياع ببلده ، فبقيت عليه بقيّة مبلغها أربعون ألف دينار . فألحّ المأمون عليه بطلبها إلى أن قال لعلي بن صالح الحاجب : أمهله ثلاثة أيّام ، فإن أحضر المال ، وإلّا فاضربه بالسّياط حتّى يؤدّي المال أو يتلف . فانصرف عليّ بن عيسى من دار المأمون آيسا من نفسه ، وهو لا يدري وجها يتّجه إليه ، فقال له كاتبه : لو عرّجت على غسّان بن عباده ، وعرّفته خبرك ، لرجوت أن يعينك على أمرك . فقال له : على ما بيني وبينه من العداوة ؟ فقال : نعم ؛ فإنّ الرجل أريحيّ كريم . فدخلا على غسّان ، فقام إليه ، وتلقّاه بالجميل ، وأوفاه حقّه بالخدمة ، ثم قال له : الحال الّذي بيني وبينك على حاله ، ولكنّ دخولك إلى داري له حرمة توجب بلوغ ما رجوته منّي ، فاذكر إن كان لك حاجة . فقصّ عليه القصّة ، فقال : أرجو أن يكفيكه اللّه تعالى ، ولم يزده على ذلك شيئا . فنهض عليّ بن عيسى ، وخرج آيسا نادما على قصده غسّان ، وقال لكاتبه : ما أفدتني بالدّخول على غسان غير تعجيل الشّماتة والهوان . فلم يصل عليّ بن عيسى إلى داره حتى حضر إليه كاتب غسان ومعه البغال عليها المال ، فبلّغه سلامه ، وقال : قد حضر المال ، فتقدّم وسلّمه . وبكّر إلى دار أمير المؤمنين فوجد غسّان قد سبقه إليها ، ودخل على المأمون ، وقال . يا أمير المؤمنين ، إنّ لعليّ بن عيسى بحضرتك حرمة وخدمة ، وسالف أصل ، وقد لحقه من الخسران في ضمانه ما قد تعارفه النّاس ، وقد توعّدته بضرب السّياط بما أطار عقله ، وأذهب لبّه ، فإن رأى أمير المؤمنين أن يجيزني على حسن كرمه ببعض ما عليه فهي صنيعة يجدّدها عليّ ، تحرس ما تقدّمها من إحسانه . ولم يزل يتلطّف إلى أن حطّ عنه النّصف ، واقتصر على عشرين ألف دينار . فقال غسان : على أن يجدّد عليه أمير المؤمنين الضّمان ، ويشرفه بخلعة تقوّي نفسه ، وترهف عزمه ، ويعرف بها مكان الرّضا عنه . فأجابه المأمون إلى ذلك . قال : فيأذن أمير المؤمنين أن أحمل الدّواة إلى حضرته ليوقّع بما رآه من هذا

--> ( 1 ) وفي المستجاد : 117 - 119 .