علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )

168

ثمرات الأوراق

وقالت : امضي الساعة إلى باب هذا الأمير ، فقولي : عندي نصيحة ، فإذا طلبت منك قولي : لا أقولها إلا للأمير خزيمة ، فإذا دخلت عليه سليه الخلوة ، فإذا فعل قولي له : ما كان هذا جزاء جابر عثرات الكرام منك في مكافأتك له بالضّيق والحبس والحديد ! قال : ففعلت ذلك . فلمّا سمع خزيمة قولها قال : واسوأتاه ! جابر عثرات الكرام غريمي ! قالت : نعم ، فأمر من وقته بدابّته فأسرجت ، وركب إلى وجوه أهل البلد . فجمعهم وسار بهم إلى باب الحبس ففتح ، ودخل فرأى عكرمة الفيّاض في قاع الحبس متغيّرا ؛ قد أضناه الضرّ . فلمّا نظر عكرمة إلى خزيمة وإلى الناس أحشمه « 1 » ذلك ، فنكس رأسه . فأقبل خزيمة حتى انكبّ على رأسه فقبّله ، فرفع رأسه إليه وقال : ما أعقب هذا منك ؟ قال : كريم فعالك وسوء مكافأتي . قال : يغفر اللّه لنا ولك . ثم أمر بفكّ قيوده ، وأن توضع في رجليه ؛ فقال عكرمة : تريد ماذا ؟ قال : أريد أن ينالني من الضرّ مثل ما نالك . فقال : أقسم عليك باللّه ألّا تفعل . فخرجا جميعا إلى أن وصلا إلى دار خزيمة ، فودّعه عكرمة ، وأراد الانصراف ، فلم يمكنه من ذلك ؛ قال : وما تريد ؟ قال : أغيّر من حالك ما أراه ؛ وأمّا حيائي من ابنة عمك فأشدّ من حيائي منك . ثم أمر بالحمام فأخلي ودخلا جميعا ، ثم قام خزيمة فتولّى خدمته بنفسه ، ثم خرجا فخلع عليه ، وحمل إليه مالا كثيرا ، ثم سار معه إلى منزله واستأذنه في الاعتذار من ابنة عمه ، فأذن له فاعتذر إليها وتذمّم « 2 » من ذلك . ثم سأله أن يسير معه إلى أمير المؤمنين ، وهو يومئذ مقيم بالرّملة ، فأنعم له بذلك . فسارا جميعا حتى قدما على سليمان بن عبد الملك ، فدخل الحاجب فأخبره بقدوم خزيمة بن بشر ، فراعه ذلك وقال : والي الجزيرة يقدم علينا بغير أمرنا ، مع قرب العهد به ! ما هذا إلّا لحادث عظيم ! فلمّا دخل عليه قال قبل أن يسلّم : ما وراءك يا خزيمة ؟ قال : خير يا أمير المؤمنين ، قال : فما أقدمك ؟ قال : ظفرت بجابر عثرات الكرام فأحببت أن أسرّك ، لمّا رأيت من شوقك إلى رؤيته ، قال : ومن هو ؟ قال : عكرمة الفيّاض . فأذن له بالدخول ، فدخل فسلّم عليه بالخلافة فرحّب به وأدناه من مجلسه ، وقال : يا عكرمة ، كان خيرك له وبالا عليك ، ثم قال له : اكتب حوائجك وما تختاره في رقعة ، فكتبها ، فقضيت على الفور ، ثم أمر له بعشرة آلاف دينار ، مع ما أضيف إليها من التحف والطرف ، ثم

--> ( 1 ) أحشمه ، أخجله . ( 2 ) تذمم ، استنكف ، يقال : لو لم أترك الكذب تأثما ، لتركته متذمما .