علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )
167
ثمرات الأوراق
يلمس الكيس فيجد تحت يده خشونة الدنانير [ ولا يصدق ] « 1 » . ورجع عكرمة إلى منزله ، فوجد امرأته قد افتقدته وسألت عنه فأخبرت بركوبه منفردا ، فارتابت وشقّت جيبها ، ولطمت خدّها . فلمّا رآها على تلك الحالة قال لها : ما دهاك يا ابنة العم ؟ قالت : سوء فعلتك بابنة عمّك ؛ أمير الجزيرة [ لا ] يخرج بعد هدأة « 2 » من الليل منفردا عن غلمانه ، في سرّ من أهله إلّا إلى زوجة أو سرّية « 3 » ! فقال : لقد علم اللّه ما خرجت لواحدة منهما ، قالت : فخبّرني فيم خرجت ؟ قال : يا هذه لم أخرج في هذا الوقت إلّا وأنا أريد ألا يعلم بي أحد ، قالت : لا بدّ أن تعلمني ، قال : فاكتميه إذا ، قالت : سأفعل . فأخبرها بالقصّة على وجهها ، ثم قال : أتحبين أن أحلف لك ؟ قالت : لا ، قد سكن قلبي . ثم أصبح خزيمة ، فصالح غرماءه ، وأصلح من حاله ؛ ثم تجهز يريد سليمان بن عبد الملك بفلسطين . فلمّا وقف ببابه ، دخل الحاجب ، فأخبره بمكانه - وكان مشهورا بالمروءة وكان الخليفة به عارفا - فأذن له ، فلمّا دخل عليه وسلّم بالخلافة ، قال : يا خزيمة ما أبطأك عنّا ؟ فقال : سوء الحال يا أمير المؤمنين ، قال : فما منعك من النهوض إلينا ؟ قال : ضعفي ، قال : فما أنهضك ؟ قال : لم أشعر يا أمير المؤمنين بعد هدأة من الليل إلا ورجل يطرق بابي ، وكان منه كيت كيت . . . وأخبره بقصّته من أولها إلى آخرها ، فقال : هل عرفته ؟ قال : لا واللّه لأنه كان متنكّرا ، وما سمعت منه إلّا « جابر عثرات الكرام » . قال : فتلهّف سليمان بن عبد الملك على معرفته ، وقال : لو عرفته لأعنّاه على مروءته . ثم قال : عليّ بقناة ، فأتي بها وعقد لخزيمة الولاية على الجزيرة وعلى عمل عكرمة الفيّاض ، وأجزل عطاياه ، وأمره بالتوجّه إلى الجزيرة . فخرج خزيمة متوجّها إليها ، فلمّا قرب منها خرج عكرمة وأهل البلد للقائه ؛ فسلّم عليه ، ثم سارا جميعا إلى أن دخلا البلد ، فنزل خزيمة في دار الإمارة ، وأمر أن يؤخذ عكرمة وأن يحاسب ، فحوسب ؛ ففضل عليه مال كثير ، فطلبه خزيمة بالمال ؛ فقال : مالي إلى شيء منه سبيل ، فأمر بحبسه ، ثم بعث يطالبه ، فأرسل إليه : إنّي لست ممّن يصون ماله بعرضه ، فاصنع ما شئت ، فأمر به فكبّل بالحديد ، وضيّق عليه ، فأقام على ذلك شهرا ، فأضناه ثقل الحديد وأضرّ به . وبلغ ذلك ابنة عمّه ، فجزعت عليه واغتمّت ، ثم دعت مولاة لها ذات عقل ،
--> ( 1 ) من المستجاد . ( 2 ) بعد هدأة من الليل ، أي حين سكن الناس ( 3 ) سرية ، أي جارية .